سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٩ - تنبيهات
الجاهلية لم يزده الإسلام إلا حدّة و شدّة، و ما يسرّني أن لي حمر النّعم و أني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة».
و روى البخاري في الكفالة و في الاعتصام، و مسلم في الفضائل، و أبو داود في الفرائض عن عاصم بن سليمان الأحول قال: «قلت لأنس بن مالك: أبلغك أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: لا حلف في الإسلام؟ قال: قد حالف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بين قريش و الأنصار في داري» [١].
قال الطبراني: ما استدلّ به أنس على إثبات الحلف لا ينافي الأحاديث السابقة في نفيه، فإن الإخاء المذكور كان في أول الهجرة، و كانوا يتوارثون به، ثم نسخ من ذلك الميراث، و بقي ما لم يبطله القرآن و هو التعاون على الحق و النصر و الأخذ على يد الظالم، كما قال ابن عباس: «إلا النصر و النصيحة»، و يوصي به فقد ذهب الميراث.
و قال الخطّابي: قال ابن عيينة: حالف بينهم: أي آخى بينهم، يريد أن معنى الحلف في الجاهلية معنى الحلف في الإسلام جار على أحكام الدين و حدوده، و حلف الجاهلية جار على ما كانوا يتواضعونه بينهم، فبطل منه ما خالف حكم الإسلام و بقي ما عدا ذلك على حاله.
و الحلف- بكسر الحاء المهملة و سكون اللام بعدها فاء، قال في النهاية: أصله المعاقدة و المعاهدة على التعاضد و التساعد و الاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن و القتال بين القبائل و الغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام
بقوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا حلف في الإسلام».
و ما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم و صلة الأرحام كحلف المطيّبين و ما جرى مجراه فذلك الذي
قال فيه (صلّى اللّه عليه و سلم): «و أيّما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّة»،
يريد من المعاقدة على الخير و نصرة الحق [و بذلك يجتمع الحديثان و هذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام و الممنوع منه ما خالف حكم الإسلام] و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.
[١] أخرجه البخاري ١٠/ ٥١٧ (٦٠٨٣) و مسلم في الموضع السابق (٢٠٥- ٢٥٢٨).