سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٨ - تنبيهات
و ليس باللازم أن تكون المؤاخاة وقعت وقعة واحدة حتى يرد هذا التعقيب. و بما أجاب به الحافظ يجاب به عن مؤاخاة أبي ذرّ و المنذر بن عمرو، و عن مؤاخاة حذيفة و عمّار، و عن مؤاخاة جعفر و معاذ بن جبل، و يقال بأن معاذ أرصد لمؤاخاة جعفر حتى يقدم.
الرابع: نقل محمد بن عمر، عن الزّهري أنه أنكر كلّ مؤاخاة وقعت بعد بدر، و يقول:
قطعت بدر المواريث. قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى): و هذا لا يدفع المؤاخاة من أصلها، و إنما يدفع المؤاخاة المخصوصة التي كانت عقدت بينهم ليتوارثوا بها.
الخامس: أنكر الحافظ أبو العباس بن تيمية المؤاخاة بين المهاجرين و خصوصا مؤاخاة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لعليّ رضي اللّه عنه. قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضا و لتتألّف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاته لأحد و لا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري.
قال الحافظ: «و هذا ردّ للنّصّ بالقياس و إغفال عن حكمة المؤاخاة لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال و العشيرة و القوة، فواخى بين الأعلى و الأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى و يستعين الأعلى بالأدنى، و بهذا تظهر حكمة مؤاخاته (صلّى اللّه عليه و سلم) لعلي رضي اللّه عنه، لأنه هو الذي كان يقوم بعليّ من عهد الصّبا قبل البعثة و استمرّ، و كذلك مؤاخاة حمزة بن عبد المطلب و زيد بن حارثة لأن زيدا مولاهم، فقد ثبتت إخوتهما و هما من المهاجرين، و في الصحيح في عمرة القضاء أن زيدا قال: «إن ابنة حمزة ابنة أخي». و أخرج الحاكم و ابن عبد البرّ بسند حسن عن أبي الشعثاء [١] عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: آخى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بين الزبير بن العوّام و عبد اللّه بن مسعود، و هما من المهاجرين، و أخرجه الضياء المقدسي في المختارة، و ابن تيمية يصرّح بأن أحاديث المختارة أصحّ و أقوى من أحاديث المستدرك، قلت: يأتي الكلام مبسوطا على أخوة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في ترجمة علي رضي اللّه عنه عند ذكر تراجم العشرة إن شاء اللّه تعالى.
السادس:
روى الإمام أحمد و مسلم و أبو داود و النسائي و ابن حبّان عن شعبة بن التوأم- بفتح الفوقية و الهمزة- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «لا حلف في الإسلام» [٢]،
زاد شعبة بن التوأم: «و لكن تمسّكوا بحلف الجاهلية». انتهى. «و أيما- و في لفظ: كل- حلف كان في
[١] جابر بن زيد الأزدي أبو الشّعثاء الجوفي بفتح الجيم البصري الفقيه، أحد الأئمة، عن ابن عباس فأكثر و معاوية و ابن عمر. و عنه قتادة و عمرو بن دينار و أيوب و خلق. قال ابن عباس: هو من العلماء. قال أحمد: مات سنة ثلاث و تسعين.
و قال ابن سعد: سنة ثلاث و مائة. الخلاصة ١/ ١٥٦.
[٢] أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة ٤/ ١٩٦١. (٢٠٦- ٢٥٣٠) و أبو داود (٢٩٢٥) و أحمد في المسند ١/ ١٩٠ و البيهقي في السنن ٦/ ٢٦٢ و عبد الرزاق (١٠٤٣٧) و الطبراني في الكبير ١١/ ٢٨٢ و الحاكم ٢/ ٢٢٠ و الدارمي ٢/ ٢٤٣.