سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٤ - الباب الخامس في مؤاخاته (صلّى اللّه عليه و سلم) بين أصحابه رضي اللّه عنهم
قام المسلمون على ذلك حتى نزلت سورة الأنفال، و كان مما شدّ اللّه عقد نبيه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِيرٌ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال ٧٢: ٧٤] فأحكم اللّه بهذه الآيات العقد الذي عقد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بين أصحابه من المهاجرين و الأنصار، يتوارث الذين آخوا دون من كان مقيما بمكة من ذوي الأرحام و القرابات. فمكث الناس على ذلك العقد ما شاء اللّه. فلما كان بعد بدر أنزل اللّه تعالى الآية الأخرى فنسخت ما كان قبلها، فقال تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال ٧٥] و انقطعت المؤاخاة في الميراث و رجع كل إنسان إلى نسبه و ورثه ذوو رحمه.
و روى الخرائطي عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: «قال المهاجرون: «يا رسول اللّه ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل و لا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المؤونة، و أشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كلّه». قال: «لا ما أثنيتم عليهم و دعوتم [اللّه] لهم»
[١].
و روى مسلم و النّسائي و الخرائطي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: «لقد رأيتنا و ما الرجل المسلم بأحق بديناره و درهمه من أخيه المسلم». قال الزهري، و إبراهيم التيمي، و حمزة بن سعيد، كما رواه ابن سعد عنهم: «كانوا تسعين رجلا: خمسة و أربعون رجلا من المهاجرين و خمسة و أربعون من الأنصار». و يقال: «كانوا مائة: خمسون من المهاجرين و خمسون من الأنصار». قال ابن إسحاق، و سنيد بن داود، و أبو عمر، و أبو الفرج: «آخى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و بين نفسه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-»،
قال أبو عمر: «و قال له: «أنت أخي في الدنيا و الآخرة».
و روى أبو بكر الشافعي عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال: «لما آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بين الناس آخى بينه و بين عليّ، و بين حمزة بن عبد المطلب و أسيد- بضم الهمزة و فتح السين- ابن
[١] أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢٠٠ و ابن أبي شيبة ٩/ ٦٨ و انظر البداية و النهاية ٣/ ٢٢٨.