سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦ - التاسع في الكلام على قوله تعالى
بضم الهمزة و فتح القاف و الواو المشدّدة. أي ما يقوّله اللّه من الوحي، و لهذا مزيد بيان في أبواب عصمته.
الإمام الرازي، «هو ضمير معلوم أو ضمير مذكور، فيه و جهان: أشهرهما أنه ضمير معلوم، و هو القرآن، كأنه تعالى يقول: «ما القرآن إلا وحي»، و هذا على قول من قال: ليس المراد بالنجم القرآن، و أما على قول من قال: هو الوحي فضمير مذكور. و الوجه الثاني: أنه عائد إلى مذكور ضمنا، و هو قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و كلامه، و ذلك لأن قوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى في ضمنه النطق و هو كلام و قول، فكأنه تعالى يقول: و ما كلامه و لا نطقه إلا وحي.
و فيه وجه آخر، و هو أن قوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣] ردّ على الكفرة حيث قالوا: قوله قول كاهن، و قالوا: قوله قول شاعر، فقال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٤]، و ليس بقول شاعر كما قال تعالى: وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [الحاقة: ٤١، ٤٢].
و قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى، أبلغ من قول القائل: هو وحي، و فيه فائدة غير المبالغة، و هي أنهم كانوا يقولون: هو قول كاهن، هو قول شاعر. و المراد نفي قولهم و ذلك يحصل بصيغة النفي فقال: ما هو كما تقولون، و زاد فقال: بل هو وحي.
أنوار التنزيل: «احتجّ بهذه الآية من لم ير الاجتهاد للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم). و أجيب عنه بأنه إذا أوحي إليه أن يجتهد كان اجتهاده و ما يسند إليه واجبا و فيه نظر لأن ذلك حينئذ بالوحي».
الطيبي «هذه الآية واردة في أمر التنزيل و ليس فيها لمستدلّ أن يستدلّ شيئا من أمر الاجتهاد نفيا و لا إثباتا، لأن الضمير في «هو» للقرآن، بدليل من فسّر النجم بنجوم القرآن».
و بسط الكلام على ذلك، ثم أورد حديث طلحة بن عبيد اللّه في تأبير النخل [١]، و سيأتي مع الكلام عليه في أبواب عصمته (صلّى اللّه عليه و سلم).
و قال الإمام الرازي: «القول بأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يجتهد خلاف الظاهر: فإنه في الحرب اجتهد و حرّم، قال اللّه تعالى: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [مريم: ١]، و أذن، قال اللّه تعالى:
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣].
التاسع: في الكلام على قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [النجم: ٥].
التّبيان: «أخبر تعالى عن وصف من علّمه بالوحي أنه مضادّ لأوصاف الشيطان معلّم الضلالة و الغواية، و هذا نظير قوله تعالى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ٢٠]
[١] تأبير النخل: تلقيحه. انظر المعجم الوسيط ١/ ٢.