سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٥ - تنبيهات
و خفقت راياته بعد أن كانت خفيّة، و انتشرت أعلام ألويته بعد أن كانت ملويّة، و بعتاة أهل الأباطيل مطويّة. و قد كان الشّرك منذ أزمان في غاية الظهور، و الباطل هو المعمول به و المشهور، فناسب أن يصرّح بأذانه، و يشدى به على غاية إعلانه، و لما كانوا يشركون به سبحانه، و يتعبّدون بسواه، كان نسب الأمور البدائه بالتنبيه على تفرّده بالكبرياء، و توحّده بالعلاء، فقال بادئا بالاسم الأعظم، الدّالّ على الذّات، المستجمع لجميع الكمالات: «اللّه» أي الملك الذي لا كفء له و لا سمّي، و لا ضدّ و لا نظير، و أتى بالخبر نكرة ليدلّ على إسناده إليه على الإطلاق، و أنه لا خفاء في انفراده بذلك، فقال: «أكبر»، و لم يذكر متعلّقا، ذهابا بالتعميم إلى أعلى الغايات و أنهى النهايات و لما كان قد طال ما قرّر الشّرك في الأذهان، وصال به أهل الطّغيان، اقتضى الحال تأكيد ذلك، و لأجل هذا ثنّى التكبير في الإقامة مع أنها فرادى.
«و لما كان المراد من جميع كلمات الأذان مجرّد الإعلام بالوقت و بهذه المقاصد المراد بها نسخ ما عداه، قال مؤكّدا من غير عطف لشيء من الجمل: «اللّه أكبر». و لما كان الحال من جميع الأكوان شديد الاقتضاء، لم يذكر التأكيد لتطاول أزمان الشّرك قال ملذّذا لأسماع الموجودات، و مرويا لعطاش أكباد الكائنات: «اللّه أكبر». و لما تمّ تقرير ذلك في الأذهان، و علم علما تاما أن التوحيد قد علا، و قهر جميع الأديان، ارتقب كلّ سامع ما يقال بعده، فقال مبتدئا دورا جديدا من هذا الإعلام لمزيد التقرير عند جميع الأنام: «اللّه أكبر».
«فلما علم أن ذلك إلى غير نهاية، و لا حدّ تقف عنده كلّ غاية، قال مترجما لما أنتجه، ملقّنا لكل سامع ما وجب عليه من الجواب، مسرّا بذلك بعض الأسرار، إعلاما بما كان من حال هذا الدّين في أول الأمر، برهانا على حسن هذا التأكيد: «أشهد» أي أعلم علما قطعيّا أنّي في مريد بصري كالناظر إلى محسوس هو في غاية الجلاء: «ألّا إله إلّا اللّه». و لما كان المقام كما مضى شديد الاقتضاء للتأكيد قال ثانيا: «أشهد ألّا إله إلا اللّه».
«فلما أخذ المقام حظّه من التأكيد، و لم يحتج إلى مزيد، فتلقّى ذلك بالقبول العبيد، فثبتت رسالة الذي أتى بهذا الدّين، و جاهد به الجاحدين، حتى قهرهم وحده صاغرين أجمعين، قال على طريق النتائج المسلّمة: «أشهد أن محمّدا»- ذاكرا أشهر أسمائه و أطيبها و أظهرها- «رسول اللّه»، مخصّصا وصف الرّسالة الذي هو بين الحقّ و الخلق، لأن المقام داع إليه، و مقصور عليه، ثم أتبع ذلك ما اقتضاه الحال من تأكيده في تعظيمه و تمجيده فقال:
«أشهد أن محمدا رسول اللّه». فلما أخذ المقام حظّه من التأكيد للإعلام، بما كان فيه للإسلام من الشدائد و الآلام، أتبعه ما اقتضاه الحال، من رفع الصّوت بهذا المقال مشيرا مع ذلك إلى أن باطن الدّين و ظاهره سواء. ليس فيه حقيقة تخالف شريعة، و خاصة أن المتشرّع به يجب