سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٤ - تنبيهات
و اشتقاقه من الأذن بفتحتين و هو الاستماع، و شرعا: الإعلام بوقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة.
الثاني: في بعض أسرار الأذان و بدائعه، قال القاضي: «الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات و السمعيات، فأوّله إثبات الذات، و ما يستحقه من الكمال و التنزيه عن أضدادها، و ذلك بقوله: «اللّه أكبر»، و هذه اللفظة مع اختصارها دالّة على ما ذكرناه، ثم صرّح بإثبات الوحدانية و نفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه و تعالى، و هذه عمدة الإيمان و التوحيد المقدّمة على كل وظائف الدين ثم صرّح بإثبات النبوة و الشهادة بالرسالة لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، و موضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، و تلك المقدمات من باب الواجبات. و بعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب و يستحيل و يجوز في حقه سبحانه و تعالى. ثم دعاهم إلى ما دعاهم اللّه إليه من العبادات، فدعاهم إلى الصلاة، و عقّبها بعد إثبات النبوّة لأن معرفة وجوبها من جهة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لا من جهة العقل. ثم دعا إلى الفلاح، و هو الفوز و البقاء في النعيم المقيم، و فيه إشعار بأمور الآخرة من البعث و الجزاء، و هي آخر تراجم عقائد الإسلام. ثم كرّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، و هو متضمّن لتأكيد الإيمان، و تكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب و اللسان، و ليدخل المصلّي فيها على بيّنة من أمره و بصيرة بإيمانه، و يستشعر عظيم ما دخل فيه و عظمة حق من يعبده و جزيل ثوابه». انتهى كلام القاضي. قال النووي: «و هو من النفائس الجليلة» و باللّه التوفيق.
قلت: قد ألّف الإمام الحافظ برهان الدين البقاعي [١] (رحمه اللّه) جزءا لطيفا في أسرار الأذان سمّاه «الإيذان بفتح أسرار التشهّد و الأذان». و أنا مورد هنا ما ذكره في الأذان ليستفاد فإنه نفيس جدا.
قال (رحمه اللّه) بعد أن أورد أحاديث بعض الأذان و التشهد: «مقصوده- أي الأذان- الإعلام بأوقات الصلاة تنبيها على أن الدين قد ظهر، و انتشر علم لوائه في الخافقين و اشتهر، و سار في الآفاق على الرؤوس فبهر، و أذلّ الجبابرة و قهر و أعلم أنه لما كان الدين المحمدي دين الإسلام الذي لا يقبل اللّه من أحد دينا غيره، قد علا على كل دين، فظهر كلّ مخالف،
[١] إبراهيم بن عمر بن حسن الرّباط بن علي بن أبي بكر البقاعي، أبو الحسن برهان الدين: مؤرخ أديب. أصله من البقاع في سورية، و سكن دمشق و رحل إلى بيت المقدس و القاهرة، و توفي بدمشق. له «عنوان الزمان في تراجم الشيوخ و الأقران»، و «عنوان العنوان» مختصر عنوان الزمان، و «أسواق الأشواق» اختصر به مصارع العشاق، و «الباحة في علمي الحساب و المساحة» و «أخبار الجلاد في فتح البلاد» و «نظم الدرر في تناسب الآيات و السور» و «بذل النصح و الشفقة للتعريف بصحبة ورقة» و له ديوان شعر سماه «إشعار الواعي بأشعار البقاعي». توفي ٨٨٥ ه. الأعلام ١/ ٥٦.