سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣٧ - الباب الثاني في بناء مسجده الأعظم و بعض ما وقع في ذلك من الآيات
و روى عبد الرّزّاق بسند على شرط الشيخين عن أم سلمة، و البخاري و البيهقي [١] عن أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه قال: «لما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه يبنون المسجد، جعل أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يحمل كل رجل منهم لبنة لبنة، و عمّار يحمل لبنتين: لبنة عنه و لبنة عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-، فمسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ظهره و قال: «يا بن سميّة للناس أجر و لك أجران، و آخر زادك شربة من لبن، و تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنّة و يدعونك إلى النار»، و عمّار يقول: «أعوذ باللّه من الفتن».
و روى أبو يعلى برجال الصحيح إلا أن التابعي لم يسمع عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: «لمّا أسّس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، و جاء أبو بكر بحجر فوضعه، و جاء عمر بحجر فوضعه، و جاء عثمان بحجر فوضعه، قالت: فسئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- عن ذلك فقال: «هذا أمر الخلافة من بعدي»
[٢].
و روى البيهقي بسند قوي جيّد عن سفينة [٣] رضي اللّه عنه نحوه، و فيه قال: «هؤلاء ولاة الأمر من بعدي».
و روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنهم كانوا يحملون اللّبن إلى بناء المسجد و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، قال: «فاستقبلت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو عارض لبنة على بطنه فظننت أنها شقّت عليه، فقلت: «يا رسول اللّه ناولنيها». فقال: «خذ غيرها، لا عيش إلا عيش الآخرة».
و هذا كان في بنائه المرّة الثانية، لأن أبا هريرة لم يسلم في الأولى.
و روى يحيى بن الحسن عن أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما عن أبيه، قال: «خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و معه حجر، فلقيه أسيد بن حضير، فقال: يا رسول اللّه أعطنيه. فقال: «اذهب فاحتمل غيره فإنك لست بأفقر إلى اللّه مني»
[٤].
و روى الإمام أحمد و يحيى بن الحسن عن طلق بن عليّ رضي اللّه عنه قال: أتيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو يبني المسجد، و المسلمون يعملون فيه معه، و كنت صاحب علاج و خلط طين، فأخذت المشحاة أخلط الطين و النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ينظر إليّ و يقول: «إن هذا الحنفيّ لصاحب طين». و كان يقول: «قرّبوا اليماميّ من الطين فإنه أحسنكم له مسكا و أشدّكم منكبا»
[٥].
[١] أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٩.
[٢] أخرجه أبو نعيم في المسند ٨/ ٢٩٥ (٤٨٨٤) و ذكره الهيثمي في المجمع ٥/ ١٧٦ و عزاه لأبي يعلى و قال: و رجاله رجال الصحيح، غير التابعي فإنه لم يسم، و ذكره ابن حجر في المطالب (٣٨٤١).
[٣] سفينة مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) .. قيل: كان اسمه مهران و قيل: طهمان و قيل: مروان و قيل: نجران و قيل: رومان و قيل:
ذكوان و قيل: كيسان و قيل: سليمان و قيل غير ذلك الإصابة ٣/ ١٠٩.
[٤] أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٨١.
[٥] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٥/ ٤٠٢.