سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١ - السادس في الكلام على قوله
للمؤمنين، و كان على خلق عظيم و خصّ الهويّ دون الطلوع لعموم الاهتداء به في الدين و الدنيا. أما الدنيوي فلما ذكر، و أما الديني فكما قال الخليل (صلّى اللّه عليه و سلم) لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] و فيه لطيفة و هي أن القسم بالنجم يقتضي تعظيمه، و قد كان من المشركين من يعبده، فنبّه بهويّه على عدم صلاحيته للإلهية، و هويّه أفوله.
السادس: في الكلام على قوله: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى:
[النجم: ٢] السمين: «هذا جواب القسم».
الإمام الرازي و البرهان النسفي: أكثر المفسّرين قالوا: لا نفرّق بين الضلال و الغيّ. و قال بعضهم: إن الضلال في مقابله الهدى، و الغيّ في مقابله الرّشد، قال تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف: ١٤٦]، و تحقيق الفرق فيه أن الضلال أعمّ استعمالا في المواضع، تقول: ضلّ بعيري و رحلي و لا تقول: غوى، فالمراد من الضلال ألا يجد السالك إلى مقصده طريقا مستقيما. و الغواية ألا يكون له إلى القصد طريق مستقيم، و يدل على هذا أنك تقول للمؤمن الذي ليس على طريق السّداد: إن سعيه غير رشيد، و لا تقول: إنه ضال. فالضّالّ كالكافر، و الغاوي كالفاسق، فكأنه تعالى قال: ما ضَلَ أي ما كفر، و لا أقل من ذلك، فما فسق، و يؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً:
[النساء: ٦] الآية. أو يقال: الضلال كالعدم و الغواية كالوجود الفاسد في الدرجة و المرتبة.
و يحتمل أن يكون معنى «ما ضلّ» أي ما جنّ، فإن المجنون ضالّ، و على هذا فهو كقوله تعالى ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: ٢] الآية. فقوله: وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ [القلم: ٣]، إشارة إلى أنه ما غوى بل هو رشيد مرشد إلى حضرة اللّه تعالى. و قوله: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]، إشارة إلى قوله هنا: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣]، فإن هذا خلق عظيم. و قد أشار قوله تعالى ما ضَلَ إلى أنه على الطريق، وَ ما غَوى إشارة إلى أنه على الطريق المستقيم وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إلى أنه مسلك الجادّة، ركب من الطريق، فإنه إذا ركب متنه كان أسرع وصولا إلى المقصد، و يمكن أن يقال إن قوله وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى دليل على أنه ما ضلّ و ما غوى، و تقديره: كيف يضلّ أو يغوي و هو لا ينطق عن الهوى؟ و إنما يضل من يتبع هواه، و يدل عليه قوله تبارك و تعالى: وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: ٢٦].
القرطبي: و قيل ما غوى ما خاب مما طلب قال الشاعر:.
فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره* * * و من يغو لا يعدم على الغيّ لائما
أي من خاب في طلبه لامه الناس، ثم يجوز أن يكون إخبارا عما بعد الوحي، و يجوز أن