سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٥ - الباب السادس في قدومه (صلّى اللّه عليه و سلم) باطن المدينة و ما آلت إليه و فرح أهل المدينة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
و أمّي، إني لأكره و أعظم أن أكون فوقك و تكون تحتي، فأظهر أنت فكن في العلو، و ننزل نحن فنكون في السّفل، فقال: «إنّ أرفق بنا و بمن يغشانا أن نكون في سفل البيت».
قال: فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في سفله و كنّا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حبّ لنا فيه ماء، فقمت أنا و أمّ أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشّف بها الماء [تخوّفا أن يقطر على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم) منه شيء فيؤذيه. و ذكر أن أبا أيوب لم يزل يتضرّع إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى تحوّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في العلو و أبو أيوب في السّفل.
قال أبو أيوب: و كنّا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيمّمت أنا و أمّ أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه و قد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فردّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لم أر ليده فيه أثرا. قال: فجئته فزعا فقلت: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي رددت عشاءك، و لم أر فيه موضع يدك و كنت إذا رددته علينا تيمّمت أنا و أم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة. قال: «إني وجدت فيه ريح هذه الشّجرة و أنا رجل أناجي، فأما أنتم فكلوه».
قال: فأكلناه و لم نضع له تلك الشجرة بعد.
و في كتاب أخبار المدينة ليحيى بن الحسن، عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه قال: «لما نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على أبي أيوب لم يدخل منزل رسول اللّه هدية و أول هدية دخلت بها عليه قصعة مثرودة خبز برّ و سمنا و لبنا، فأضعها بين يديه، فقلت: «يا رسول اللّه أرسلت بهذه القصعة أمّي»، فقال: «بارك اللّه فيها»،
و دعا أصحابه فأكلوا فلم أرم الباب حتى جاءته قصعة سعد بن عبادة، على رأس غلام مغطاة فأقف على باب أبي أيوب فأكشف غطاءها لأنظر فرأيت ثريدا عليه عراق [١]، فدخل بها على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)». قال زيد: «فلقد كنّا في بني مالك بن النّجّار ما من ليلة إلا على باب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) منا الثلاثة و الأربعة يحملون الطعام و يتناوبون بينهم حتى تحوّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من بيت أبي أيوب و كان مقامه فيه سبعه أشهر و ما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة و جفنة أسعد بن زرارة كل ليلة». و فيه أنه قيل لأم أيوب:
«أي الطعام كان أحب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فإنكم عرفتم ذلك لمقامه عندكم؟ فقالت: ما رأيته أمر بطعام فصنع له بعينه، و لا رأيناه أتي بطعام فعابه. و قد أخبرني أبو أيوب أنه تعشّى عنده ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة طفيشل. قال أبو أيوب. فرأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينهل تلك القدر ما لم أره ينهل غيرها، فكنا نعملها له، و كنا نعمل له الهريس و كانت تعجبه. و كان يحضر عشاءه خمسة إلى ستة عشر كما يكون الطعام في الكثرة و القلّة».
[١] العرق: بالسكون: العظم إذا أخذ عنه معظم اللّحم، و جمعه: عراق، و هو جمع نادر، يقال: عرقت العظم، و اعترقته، و تعرّقته إذا أخذت عنه اللّحم بأسنانك. انظر النهاية ٣/ ٢٢٠.