سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٢ - الباب التاسع في إسلام عمرو بن الجموح بفتح الجيم و بالحاء المهملة رضي اللّه تعالى عنه
الباب التاسع في إسلام عمرو بن الجموح بفتح الجيم و بالحاء المهملة رضي اللّه تعالى عنه
قال ابن إسحاق و غيره: لما قدم النّفر الذين بايعوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، أظهروا الإسلام بالمدينة، و في قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشّرك، منهم عمرو بن الجموح [بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة السّلمي من بني جشم بن الخزرج]، و كان ابنه معاذ بن عمرو شهد العقبة و بايع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بها. و كان عمرو [بن الجموح] سيّدا من سادات بني سلمة [و شريفا من أشرافهم]، و كان قد اتخذ في داره صنما من خشب يعظّمه يقال له: مناة [كما كانت الأشراف يصنعون تتخذ إلها تعظّمه و تظهره].
فلما أسلم فتيان بني سلمة: معاذ بن جبل و معاذ بن عمرو في فتيان منهم ممن أسلم و شهد العقبة، و كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه و يطرحونه في بعض حفر بني سلمة و فيها عذر الناس، منكّسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: و يحكم! من عدا على آلهتنا هذه الليلة؟
قال: ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله و طهّره و طيّبه، ثم قال: أما و اللّه لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينّه. فإذا أمسى و نام عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك، [فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله و يطهّره و يطيّبه ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك] فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله و طهّره و طيّبه، ثم جاء بسيفه فعلّقه عليه ثم قال له: إني و اللّه ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك. فلما أمسى و نام عمرو عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس. و غدا عمرو بن الجموح يلتمسه فلم يجده في مكانه، فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكّسا مقرونا بكلب ميّت. فلما رآه أبصر شأنه، و كلّمه من أسلم من قومه، فأسلم (رحمه اللّه) و حسن إسلامه. فقال حين أسلم و عرف من اللّه ما عرف [و هو يذكر صنمه ذلك و ما أبصر من أمره و يشكر اللّه تعالى الذي أنقذه مما كان فيه من العمى و الضلالة]:
و اللّه لو كنت إلها لم تكن* * * أنت و كلب وسط بئر في قرن
أفّ لملقاك إلها مستدن* * * الآن فتّشناك عن سوء الغبن
الحمد للّه العليّ ذي المنن* * * الواهب الرّزّاق ديّان الدّين
هو الّذي أنقذني من قبل أن* * * أكون في ظلمة قبر مرتهن
بأحمد المهدي النّبيّ المؤتمن [١]
[١] انظر الروض الأنف ٢/ ٢٠٥.