سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨ - العاشر في الكلام على الأقصى
حصل التحقق بصدقه فيما ذكر من الإسراء به إلى بيت المقدس في ليلة. و إذا صحّ خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكر». انتهى.
و قيل: ليحصل له العروج مستويا من غير تعويج لما روى عن كعب أن باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل باب بيت المقدس، قال: و هو أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا.
الحافظ: «و فيه نظر. و قيل ليجمع بين القبلتين، لأن بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء فحصل له الرحيل إليه في الجملة ليجمع بين أسباب الفضائل. و قيل لأنه محل الحشر، فأراد اللّه تعالى أن تطأه قدمه ليسهل على أمته يوم القيامة وقوفهم ببركة أثر قدميه. و قيل أراد اللّه سبحانه و تعالى أن يريه القبلة التي صلى إليها مدة، كما عرفت الكعبة التي صلى إليها.
و قيل لأنه مجمع أرواح الأنبياء فأراد اللّه تعالى أن يشرّفهم بزيارته (صلّى اللّه عليه و سلم). و قيل لتفاؤل حصول التقدير له حساّ و معنى.
ابن دحية: «و يحتمل أن يكون الحق سبحانه و تعالى أراد ألّا يخلي تربة فاضلة من مشهده و وطء قدميه، فتمّم تقديس بيت المقدس بصلاة سيدنا محمد فيه. فلما تمم تقديسه به، أخبر (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه: لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام لأنه مولده و مسقط رأسه و موضع نبوّته، و مسجد المدينة، لأنه محل هجرته و أرض تربته، و المسجد الأقصى، لأنه موضع معراجه (صلّى اللّه عليه و سلم)».
رموز الكنوز: «فإن قيل الإسراء و المعراج كانا في ليلة واحدة، فهلّا أخبرهم تعالى بعروجه إلى السماء؟ قلت: استدرجهم إلى الإيمان بذكر الإسراء أولا، فلما ظهرت أمارات صدقه، و صحّت لهم براهين رسالته، و استأنسوا بتلك الآية الخارقة، أخبرهم بما هو أعظم منها و هو المعراج، فحدّثهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أنزل اللّه تعالى سورة النّجم».
الإمام الرازي و البرهان: «اعلم أن كلمة «إلى» لانتهاء الغاية فمدلول قوله تعالى: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أنه وصل إلى ذلك المسجد، و لا دلالة في اللفظ على أنه دخل».
قلت: قال المحققون: إذا كانت «إلى» لانتهاء الغاية، فإن دلّت قرينة على دخول ما بعدها عمل بها، نحو قرأت القرآن من أوّله إلى آخره. فالقرينة هنا ذكر الآخر و جعله غاية. و قيل القرينة هي كون الكلام مسبوقا لحفظ القرآن كله، و ذلك مناف لخروج الغاية، فتعيّن دخولها، أو دلّت القرينة على خروج ما بعدها عمل بها نحو: أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:
١٨٧]. و القرينة في آية الإسراء العلم لا يسرى به إلى البيت المقدس و لا يدخله و صرّحت السّنّة الصحيحة بما اقتضته القرينة من دخوله (صلّى اللّه عليه و سلم) بيت المقدس.