سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥١ - التنبيه الحادي و المائة
لم يقع الاقتصار في الآية على حكاية وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] و لكان ذكر الذّبح أوقع في الابتلاء و لسقطت فائدة الفداء. فبطل ما قالوه، و تعيّن القول بجواز النّسخ قبل التمكن بدليل وقوعه في قصة الذّبيح، فلا يمكنهم ترديد مثلها في قصة الإسراء إذ لا خفاء بأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أمر في حق الأمة بخمسين صلاة ثم نسخ ما نسخ قبل أن يدخل وقت الصلاة فضلا عن أن يمضي زمان يسعها.
قال شيخنا السهيلي: و أما فرض الصلوات خمسين ثم حطّ منها عشرا بعد عشر إلى خمس صلوات و قد روي أيضا أنها حطّت خمسا بعد خمس. و قد يمكن الجمع بين الروايتين لدخول الخمس في العشر، فقد تكلّم في هذا النقص من الفريضة أهو نسخ أم لا؟ على قولين.
فقال قوم: هو من باب نسخ العبادة قبل العمل بها، و أنكر أبو جعفر النحاس هذا القول من وجهين:
أحدهما: البناء على أصله و مذهبه في أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل لها لأن ذلك عنده من البداء، و البداء محال على اللّه سبحانه.
الثاني: أن العبادة إن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يرى ذلك فليس يجوز عند أحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض و هبوطها إلى المخاطبين ... إنما هي شفاعة شفّعها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأمته و مراجعة راجعها ربه ليخفف عن أمته و لا يسمّى مثل هذا نسخا».
أما مذهب أبي جعفر النحاس في أن العبادة لا تنسخ قبل العمل بها و أن ذلك بداء فليس بصحيح لأن حقيقة البداء أن يبدو للآمر رأي يتبيّن له الصواب فيه بعد أن لم يكن تبيّنه، و هذا محال في حق من يعلم الأشياء بعلم قديم. و ليس النّسخ من هذا في شيء، إنما النّسخ تبديل حكم بحكم، و الكل سابق في علمه و مقتضى حكمته، كنسخه المرض بالصحّة و الصّحّة بالمرض و نحو ذلك، و أيضا بأن العبد المأمور يجب عليه عند توجّه الأمر إليه ثلاث عبادات:
الفعل الذي أمر به، و العزم على الامتثال عند سماع الأمر، و اعتقاد الوجوب إن كان واجبا، فإن نسخ الحكم قبل الفعل فقد حصلت فائدتان: العزم، و اعتقاد الوجوب، و علم اللّه تعالى ذلك منه علم مشاهدة. فصحّ امتحانه له و اختباره إياه، و أوقع الجزاء على حسب ما علم من نيته و الذي لا يجوز إنما هو نسخ الأمر قبل نزوله و قبل علم المخاطب به. و الذي ذكر النحاس من نسخ العبادة بعد العمل بها ليس هو حقيقة النّسخ لأن العبادة المأمور بها قد مضت و إنما جاء الخطاب بالنهي عن مثلها لا عنها. و قولنا في الخمس و الأربعين صلاة الموضوعة عن محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و أمته. أحد وجهين إما أن يكون نسخ ما وجب على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من أدائها، و رفع عنه استمرار العزم و اعتقاد الوجوب. و هذا قد قدّمنا أنه نسخ على الحقيقة، و نسخ عنه ما وجب