سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٠ - التنبيه الحادي و المائة
و الظاهر أن نقص الخمسين إلى خمس ليس من تبديل القول لأنه تبديل تكليف، و أما بعد الإخبار بالخمس و الخمسين فتبديل أخبار.
التنبيه الحادي و المائة:
قال أبو الخطّاب و تبعه ابن المنير: «جواز النّسخ قبل التمكن من الفعل قبل دخول الوقت مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة، و جرى كل فريق على قاعدته و عقيدته. فعند أهل السّنّة التكليف على خلاف الاستطاعة جائز، بل واقع إذ الأفعال كلها مخلوقة للّه تعالى، و العبد مطالب بما لا يقدر على إيجاده و لا يتمكن من التأثير في إحرازه، عملا بقوله تعالى: وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] بتقدير أن «ما» هنا مصدرية، و المعتزلة تجعل «ما» هنا موصولة و جروا على عقيدتهم في اعتقادهم أن العبد يخلق فعل نفسه و يوجد طاعة ربّه باستطاعته و اختياره، و لا يسقط التكليف عندهم على خلاف الاستطاعة فلا يتصوّر النّسخ قبل التمكن من الفعل كما تتصوّر قاعدته. و استدل أهل السّنّة على جواز النّسخ قبل التمكن بأنه وقع. و أي دليل على الجواز أتمّ من الوقوع؟.
و مثّلوا ذلك بقصة الذّبيح فإن اللّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، ثم خفّف ذلك و نسخه إلى الفداء قبل أن يمضي زمن يسع الذّبح و لا يمكن فيه الفعل. و من هنا ضاقت على المعتزلة المضايق حتى غالطوا في الحقائق، و اختلفوا في الأجوبة، فمنهم من قال لم يأمره بالذبح لأن ذلك كان في المنام لا في اليقظة، و لا عقل أضلّ من عقل من زعم أنه استظهر على نبيّ في واقعة هو صاحبها و قضى فيها و منه ظهرت، و عنه أثرت، فإن الذبيح قال فيما حكاه اللّه تعالى و صوّبه يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ [الصافات: ١٠٢]، و نحن نقول إن راوي الحديث أعرف بتأويله و تفسيره، و أقعد بتبيينه و تنزيله.
و حتى لو تعارض تأويلان قدّمنا تأويل صاحب الواقعة لأنه أفهم لها. فكيف لا يقدّم تأويل الذّبيح النبي الذّكيّ المسدّد المصوّب من ربّ العالمين على تأويل المبتدع الضّالّ الحائر المشكين؟ و منهم من قال: أمر و لكن بالمقدّمات: الشّدّ و التّلّ و الصرع و تناول «المدية».
و هذا من الطراز الأول لتهافت القول، فإن إبراهيم قال: أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] و لم يقل أصرعك، و أيضا ليست المقدمات «بلا»، و لا سيما في حق إبراهيم (عليه السلام) الذي علم أن الحال لا ينتهي بغير الاضطجاع خاصة بما لا يتعنّى حينئذ للفداء، فهذا أحيد عن السّنن و جنوح إلى العناد و الغبن.
و منهم من قال: «أمر بالذّبح و فعل، و لكن انقلبت السّكين أو لم تقطع، أو انقلبت العنق حديدا، و هذا من النّمط المردود، و حاصله النّقل بالتقدير و هو الكذب بعينه، و منهم من قال:
«ذبح و التحم»، و هذه معايرة النقول و مكابرة العقول. و ذلك أن الأمر لو كان على هذه المثابة