سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٨ - التنبيه التاسع و الأربعون
العاقبة و بالضدّ من ذلك. و الفأل في اليقظة نظير الرؤيا في المنام. و أهل التعبير يقولون من رأى نبيا من الأنبياء بعينه في المنام فإن رؤياه تؤذن بما يشبه من حال ذلك النبي من شدّة أو رخاء أو غير ذلك من الأمور التي أخبر بها عن الأنبياء في القرآن و الحديث.
قال ابن أبي جمرة: «الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء و أول الآباء فهو أصل فكان الأوّل في الأولى، و لأجل تأنيس النبوّة بالأبوة» و قال السهيلي (رحمه اللّه):
«فآدم وقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض بما سيقع للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من الهجرة إلى المدينة، و الجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقّة و كراهة فراق ما لقيه في الوطن، ثم كان لكل منهما أن يرجع إلى وطنه الذي خرج منه».
و قال ابن دحية: «إن في ذلك تنبيها على أنه يقوم مقامه في مبدأ الهجرة لأن مقام آدم التهيئة و النشأة و عمارة الدنيا بأولاده، و كذا كان مقام المصطفى أول سنة من الهجرة مقام تنشئة الإسلام و تربية أهله و اتخاذ الأنصار لعمارة الأرض كلها بهذا الدين الذي أظهره اللّه على الدين كله، و زوى الأرض لنبيّه حتى أراه مشارقها و مغاربها،
فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «و ليبلغنّ ملك أمّتي ما زوي لي منها».
و اتفق ذلك في زمن هشام بن عبد الملك حتى جيء إليه خراج الأرض شرقا و غربا، و كان إذا نشأت سحابه يقول: «أمطري حيث شئت فسيصل إليّ خراجك».
ثم رأى في السماء الثانية عيسى و يحيى و هما الممتحنان باليهود. أما عيسى فكذّبته اليهود و آذته و همّوا بقتله فرفعه اللّه تعالى، و أما يحيى فقتلوه، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان. و كانت محنته فيها باليهود [آذوه] و ظاهروا عليه و همّوا بإلقاء الصخرة عليه ليقتلوه فنجّاه اللّه تعالى كما نجّى عيسى منهم ثم سمّوه في الشاة، فلم تزل تلك الأكلة تعاده حتى قطعت أبهره [كما قال عند الموت].
و قال ابن أبي جمرة: لأنهما أقرب الأنبياء عهدا بسيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و قال ابن دحية: كانت حالة عيسى و مقامه معالجة بني إسرائيل و الصبر على معاداة اليهود و حيلهم و مكرهم، و طلب عيسى الانتصار عليهم بقوله: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي مع اللّه؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] فهذه كانت حالة نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) في السنة الثانية من الهجرة، ففيها طلب الأنصار للخروج إلى بدر العظمى فأجابوا و نصروا، فلقاؤه لعيسى في السماء الثانية تنبيه على أنه سيلقى مثل حاله و مقامه في السنة الثانية من الهجرة.
و أما لقاؤه ليوسف (عليه السلام) في السماء الثالثة فإنه يؤذن بحالة ثالثة تشبه حال يوسف بما جرى له مع إخوته الذين أخرجوه من بين أظهرهم ثم ظفر بهم فصفح عنهم و قال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢] و كذلك نبيّنا عليه