سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٣ - التنبيه الحادي و الأربعون
صلاح الصالحين من الأمم. و بهذا تحقق أن الصلاح المضاف إلى الأنبياء غير الصلاح المضاف إلى الأمم، فصلاح الأنبياء صلاح كامل لأنه يزول بهم كل فساد، فلهم كل صلاح و من دونهم الأمثل فالأمثل، فكل واحد يستحق اسم الصلاح على قدر ما زال به أو منه من الفساد، و اقتصر الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم) على وصفه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالصلاح و تواردوا على ذلك لأن الصلاح يشمل خصال الخير، و لذلك كررها كل منهم عند وصفه.
و الصالح هو الذي يقوم بما يلزمه من حقوق اللّه تعالى و حقوق العباد، فمن ثمّ كانت كلمة جامعة مانعة شاملة لسائر الخصال المحمودة، و لم يقل له أحد: مرحبا بالنبي الصادق و لا بالنبي الأمين لما ذكرنا من أن الصلاح شامل لسائر أنواع الخير.
التنبيه الأربعون:
إنما رأى أكلة الربا منتفخة بطونهم لأن العقوبة مشاكلة للذنب، فآكل الربا يربو بطنه كما أراد أن يربو ماله بأكل ما حرّم عليه فمحقت البركة من ماله و جعلت نفخا في بطنه حتى يقوم كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ. و إنما جعلوا بطريق آل فرعون يمرّون عليهم غدوّا و عشيّا، لأن آل فرعون هم أشدّ الناس عذابا فضلا عن غيرهم من الكفّار، و هم لا يستطيعون القيام. و معنى كونهم في طريق جهنّم بحيث يمرّ بالكفار عليهم أن اللّه سبحانه و تعالى قد أوقف أمرهم بين أن ينتهوا فيكون خيرا لهم و بين أن يعودوا و يصرّوا فيدخلهم النار، و هذه صفة من هو في طريق النار، قال اللّه تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَ مَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥] و في بعض الأحاديث أنه رأى بطونهم كالبيوت يعني أكلة الربا، و فيها حيّات ترى من خارج البطون.
التنبيه الحادي و الأربعون:
فإن قيل: هذه الأحوال التي ذكرها عن أكلة الربا، إن كانت عبارة عن حالهم في الآخرة، فآل فرعون قد أدخلوا أشدّ العذاب و إنما يعرضون على النار غدوّا و عشيّا في البرزخ، و إن كانت الحال التي رآهم عليها فأيّ بطون لهم و قد صاروا عظاما و رفاتا و مزّقوا كل ممزّق؟ فالجواب أنه إنما رآهم في البرزخ، و هذه الحال هي حال أرواحهم بعد الموت. و فيها تصحيح لمن قال: الأرواح أجساد لطيفة قابلة للنعيم و العذاب، فخلق اللّه تعالى في تلك الأرواح من الآلام ما يجده من انتفخ بطنه حتى وطئ بالأقدام و لا يستطيع معه قياما. و ليس في هذا دليل على أنهم أشدّ عذابا من آل فرعون، و لكن فيه دليل على أنه يطؤهم ال فرعون و غيرهم من الكفار الذين لم يأكلوا الربا، ما داموا في البرزخ إلى أن يقوموا يوم القيامة كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ، ثم ينادي منادي اللّه تعالى أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: ٤٦]. و كذلك ما رأى من النساء المعلّقات