سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٢ - التنبيه السابع
(عليه الصلاة و السلام) في مواطن الضرب و الطعن و الانتشاب في نحر العدو، و لما كان اللّه تعالى خصّه بمزيد من الشجاعة و القوة. و إلا فالبغال عادة من ركوب الطمأنينة و الأمنة، فبيّن أن الحرب عنده كالسّلم قوّة قلب و شجاعة نفس، و ثقة و توكّل. و ركبت الملائكة في الحرب على الخيل لا غير لأنها بصدد ذلك عرفا دون غيرها من المركوبات. و لطف شكل البراق لما وصفه، عن شكل البغل، و ما لطف من البغال و استدار أحمد و أحسن من المطهمات [١] منها، و ذلك بخلاف الخيل.
و لم يسمّ اللّه سبحانه و تعالى سير البراق برسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) طيرانا، و إنما سمّاه بما يسمّى به السير المعتاد و سير الليل عند العرب سرى، فيؤخذ من هذا أن الوليّ إذا طويت له الأرض البعيدة في الساعة الواحدة يتناوله اسم المسافر، و يشمله أحكام السّفر باعتبار القصر و الفطر.
و إنما لم يذكر البراق في الرجوع لأن ذلك معلوم بذكره في الصعود، كقوله تعالى: وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] يعني و البرد.
قال في فتح الصفا: فإن قيل: هلّا كان الإسراء على أجنحة الملائكة و الريح كما كانت تحمل سليمان (عليه الصلاة و السلام) أو الخطوة كطيّ الزمان؟ قلت المراد اطلاعه على الآيات الخارقة للعادة، و ما يتضمّن أمرا عجيبا، و لا عجب في حمل الملائكة أو الريح بالنسبة إلى قطعة هذه المسافة، بخلاف قطعها على دابّة في هذا الحجم المحكيّ عن صفتها، و وقع من تعظيمه بالملائكة ما هو أعظم من حمله على أجنحتها فقط. فقد أخذ جبريل بركابه و ميكائيل بزمام البراق، و هما من أكابر الملائكة، فاجتمع له (صلّى اللّه عليه و سلم) حمل البراق، و ما هو كحمل البراق من الملائكة و هذا أتمّ في الشرف.
و اختلفت الأقاويل في صفته، فنقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ما ذكر. و قال صاحب الاحتفال: إنه دون البغل و فوق الحمار، وجهه كوجه الإنسان و جسده كجسد الفرس و قوائمه كقوائم الثور و ذنبه كذنب الغزال. و قال غيره: جسده كجسد الإنسان و ذنبه كذنب البعير و عرفه كعرف الفرس و قوائمه كقوائم الإبل و أظلافه كأظلاف البقر و صدره كأنه ياقوتة حمراء و ظهره كأنه درّة بيضاء. له جناحان في فخذيه و هذا كله لم يصحّ منه شيء، و ما ذكره عن ابن عباس أمثلها، و لعل السّرّ في كونهما في فخذيه لثقل مؤخّر الدابّة، أو لأن ذلك جار على هذا الأمر في خرق العادة، أو لأجل الراكب، لأنهما لو كانا في جنبيه على العادة لكانا تحت فخذي الراكب أو فوقهما، و يحصل له من ذلك مشقّة بضمّهما و نشرهما خصوصا مع السرعة العظيمة.
[١] المطهّم: المنتفخ الوجه. و قيل: الفاحش السّمن. و قيل: النّحيف الجشم، و هو من الأضداد. انظر النّهاية لابن الأثير ٣/ ١٤٧.