العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٧ - مقتل زيد بن علي أيام هشام بن عبد الملك
و مدخل رأسه لم يدعه أحد # بين الفريقين حتى لزّه القرن [١]
اضربوا عنقه!ثم أقبل على الغمر فقال: ما أحسب لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا!فقال: أجل. قال: يا غلام، اضرب عنقه، فأقيم من المصلى فضرب عنقه، ثم أمر ببساط فطرح عليهم، و دعا بالطعام فجعل يأكل و أنين بعضهم تحت البساط.
و في رواية أخرى، قال: لما قدم الغمر بن يزيد بن عبد الملك على أبي العباس السفاح في ثمانين رجلا من بني أمية، وضعت لهم الكراسي، و وضعت لهم نمارق [٢]
و أجلسوا عليها، و أجلس الغمر مع نفسه في المصلى، ثم أذن لشيعته فدخلوا، و دخل فيهم سديف بن ميمون، و كان متوشحا سيفا، متنكبا قوسا، و كان طويلا آدم [٣] ، فقام خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أ يزعم الضّلال بما حبطت أعمالهم أنّ غير آل محمد أولى بالخلافة؟فلم و بم أيها الناس؟لكم الفضل بالصحابة، دون حق ذوي القرابة، الشركاء في النسب، الأكفاء في الحسب، الخاصة في الحياة، الوفاة عند الوفاة، مع ضربهم على الأمر جاهلكم، و إطعامهم في اللأواء [٤] جائعكم، فكم قصم اللّه بهم من جبار باغ، و فاسق ظالم، لم يسمع بمثل العباس، لم تخضع له أمّة بواجب حق، أبو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بعد أبيه، و جلدة ما بين عينيه، أمينه ليلة العقبة، و رسوله إلى أهل مكة، و حاميه يوم حنين، لا يردّ له رأيا، و لا يخالف له قسما؛ إنكم و اللّه معاشر قريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث ما اختاره اللّه لكم، تيميّ مرة، و عديّ مرة، و كنتم بين ظهراني قوم قد آثروا العاجل على الآجل، و الفاني على الباقي، و جعلوا الصدقات في الشهوات، و الفيء في اللذات و الغناء. و المغانم في المحارم، إذ ذكّروا باللّه لم يذكروا، و إذا قدّموا بالحق أدبروا، فذلك زمانهم، و بذلك كان يعمل سلطانهم.
[١] القرن: الحبل يقرن به البعير.
[٢] النمارق: جمع نمرق: و هي الوسادة الصغيرة يتكأ عليها.
[٣] آدم: الذي اشتدت سمرته.
[٤] اللأواء: ضيق المعيشة، أو شدة المرض.