العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٦ - وفاة عمر بن عبد العزيز
استسقى عمر غمس إبهامه في الماء ثم سقاه؛ فمرض مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك فوقف عند رأسه فقال: جزاك اللّه يا أمير المؤمنين عنا خيرا؛ فلقد عطفت علينا قلوبا كانت عنا نافرة، و جعلت لنا في الصالحين ذكرا.
زياد عن مالك قال: دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في المرضة التي مات فيها، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال، و تركتهم عالة. و لا بدّ لهم من شيء يصلحهم، فلو أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائك من أهل بيتك لكفيتك مئونتهم إن شاء اللّه. فقال عمر أجلسوني. فأجلسوه، فقال:
الحمد للّه، أ بالفقر تخوّفني يا مسلمة؟أما ما ذكرت أني فطمت أفواه ولدي عن هذا المال و تركتهم عالة، فإني لم أمنعهم حقا هو لهم، و لم أعطهم حقا هو لغيرهم؛ و أما ما سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي، فإن وصيتي بهم إلى اللّه الذي نزّل الكتاب و هو يتولّى الصالحين؛ و إنما بنو عمر أحد رجلين: رجل اتقى اللّه فجعل اللّه له من أمره يسرا و رزقه من حيث لا يتحسب، و رجل غيّر و فجر [١] فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه. ادعوا لي بنيّ-فدعوهم، و هم يومئذ اثنا عشر غلاما، فجعل يصعّد بصره فيهم و يصوّبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع-ثم قال:
بنفسي فتية تركتهم و لا مال لهم!يا بني، إني قد تركتكم من اللّه بخير، إنكم لا تمرّون على مسلم و لا معاهد إلا و لكم عليه حق واجب إن شاء اللّه، يا بنيّ، ميّلت رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا و بين أن يدخل أبوكم النار، فكان أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرا من دخول أبيكم يوما واحدا في النار؛ قوموا يا بنيّ عصمكم اللّه و رزقكم! قال: فما احتاج أحد من أولاد عمر و لا افتقر.
و اشترى عمر بن عبد العزيز من صاحب دير شمعان موضع قبره بأربعين درهما و مرض تسعة أيام و مات رضي اللّه عنه يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى
[١] فجر: انبعث في المعاصي غير مكترث.