العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٤ - أخبار عمر بن عبد العزيز
إنه يخيّل لي أني لو كتبت لك أن تعطي رجلا شاة لكتبت إليّ: أذكر أم أنثى؟ و لو كتبت إليك بأحدهما لكتبت إليّ: أ صغيرة أم كبيرة؟و لو كتبت بأحدهما لكتبت: ضائنة [١] أم معزى؟فإذا كتبت إليك فنفّذ و لا تردّ عليّ، و السلام.
و خطب عمر فقال:
أيها الناس، لا تستصغروا الذنوب، و التمسوا تمحيص ما سلف منها بالتوبة منها؛ إِنَّ اَلْحَسَنََاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئََاتِ، ذََلِكَ ذِكْرىََ لِلذََّاكِرِينَ [٢] ، و قال عز و جل:
وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اَللََّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللََّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىََ مََا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [٣] .
و قال عمر لبني مروان: أدّوا ما في أيديكم من حقوق الناس و لا تلجئوني إلى ما أكره فأحملكم على ما تكرهون!فلم يجبه أحد منهم، فقال: أجيبوني. فقال رجل منهم: و اللّه لا نخرج من أموالنا التي صارت إلينا من آبائنا، فنفقر أبناءنا، و نكفر آباءنا، حتى تزايل رءوسنا فقال عمر: أما و اللّه لو لا أن تستعينوا عليّ بمن أطلب هذا الحق له لأضرعت [٤] خدودكم عاجلا، و لكنني أخاف الفتنة. و لئن أبقاني اللّه لأردّنّ إلى كل ذي حق حقه إن شاء اللّه!.
و كان عمر إذا نظر إلى بعض بني أمية قال: إني أرى رقابا سترد إلى أربابها.
و لما مات عمر بن عبد العزيز قعد مسلمة على قبره فقال: أما و اللّه ما أمنت الرّقّ حتى رأيت هذا القبر.
العتبي قال: لما انصرف عمر بن عبد العزيز من دفن سليمان بن الملك تبعه الأمويون، فلما دخل إلى منزله قال له الحاجب: الأمويون بالباب. قال: و ما يريدون؟قال: ما عوّدتهم الخلفاء قبلك. قال ابنه عبد الملك و هو إذ ذاك ابن أربع
[١] الضائن: ذو الصوف من الغنم.
[٢] سورة هود الآية ١١٤.
[٣] سورة آل عمران الآية ١٣٥.
[٤] أضرع اللّه خدّه: أذلّه.