العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٦ - أمر الحكمين
و كان قد خلع سيفه قبل أن يقوم إلى الخطبة، فأعاده على نفسه؛ فاضطرب الناس و خرجت الخوارج.
و قال أبو موسى لعمرو: لعنك اللّه!فإنّ مثلك كمثل الكلب: إن تحمل عليه يلهث و إن تتركه يلهث!فقال عمرو: لعنك اللّه!فإن مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا.
و خرج أبو موسى من فوره ذلك إلى مكة مستعيذا بها من عليّ، و حلف أن لا يكلمه أبدا؛ فأقام بمكة حينا حتى كتب إليه معاوية:
سلام عليك؛ أما بعد، فلو كانت النية تدفع الخطأ، لنجا المجتهد و أعذر الطالب؛ و الحق لمن نصب [١] له فأصابه، و ليس لمن عرض له فأخطأه؛ و قد كان الحكمان إذا حكما على عليّ لم يكن له الخيار عليهما، و قد اختاره القوم عليك، فاكره منهم ما كرهوا منك، و أقبل إلى الشام، فإني خير لك من على؛ و لا قوّة إلا باللّه.
فكتب إليه أبو موسى:
سلام عليك؛ أما بعد، فإني لم يكن مني في علي، إلا ما كان من عمرو فيك، غير أني أردت بما صنعت ما عند اللّه، و أراد به عمرو ما عندك، و قد كان بيني و بينه شروط و شورى عن تراض، فلما رجع عمرو رجعت؛ أما قولك إن الحكمين إذا حكما على رجل لم يكن له الخيار عليهما؛ فإنما ذلك في الشاة و البعير و الدينار و الدرهم، فأما أمر هذه الأمة فليس لأحد فيما تكره حكم، و لن يذهب الحقّ عجز عاجز و لا خدعة فاجر، و أما دعاؤك إياي إلى الشام فليس لي رغبة عن حرم إبراهيم.
فبلغ عليا كتاب معاوية إلى أبي موسى الأشعري، فكتب إليه:
سلام عليك؛ أما بعد، فإنك امرؤ ضلّلك الهوى، و استدرجك الغرور، [فإنه من استقال اللّه أقاله]، حقق بك حسن الظنّ لزومك بيت اللّه الحرام غير حاج و لا
[١] نصب له شيئا: و أظهره و قصده به.