العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٦ - يوم الجمل
من أم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه و سلم، إلى عائشة أم المؤمنين: فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، إنك سدّة بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و أمته، و حجاب مضروب على حرمته، قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه [١] و سكّر خفارتك فلا تبتذليها. فاللّه من وراء هذه الأمة، و لو علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن النساء يحتملن الجهاد عهد إليك، أ ما علمت أنه قد نهاك عن الفراطة [٢] في البلاد فإن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، و لا يرأب بهن إن انصدع؟جهاد النساء؛ غضن الأطراف، و ضم الذيول، و قصر الوهازة. ما كنت قائلة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لو عارضك ببعض هذه الفلوات ناصّة [٣] قعودا من منهل إلى منهل؟و غدا تردين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؛ و أقسم لو قيل لي: يا أمّ سلمة ادخلي الجنة لاستحييت أن ألقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم هاتكة حجابا ضربه عليّ فاجعليه سترك، و وقاعة البيت حصنك؛ فإنك أنصح ما تكونين لهذه الأمة ما قعدت عن نصرتهم؛ و لو أني حدثتك بحديث سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لنهشتني نهش الرقشاء [٤] المطرقة و السلام.
فأجابتها عائشة:
من عائشة أم المؤمنين إلى أم سلمة، سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فما أقبلني لوعظك، و أعرفني لحق نصيحتك، و ما أنا بمعتمرة [٥]
بعد تعريج، و لنعم المطلع مطلع فرقت فيه بين فئتين متشاجرتين من المسلمين، فإن أقعد ففي غير حرج، و إن أمض فإلى ما لا غنى بي عن الازدياد منه، و السلام.
و كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان إذا قدمت البصرة:
من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان: سلام عليك؛ أما بعد، فإن أباك كان رأسا في الجاهلية، و سيدا في الإسلام و إنك من أبيك بمنزلة المصلّي
[١] فلا تندحيه: أي لا توسعيه بخروجك إلى البصرة.
[٢] الفراطة: التقدم.
[٣] أي أن تستخرج من الناقة أقصى سيرها.
[٤] الرقشاء: الحية لرقشة جلدها.
[٥] الاعتمار: الزيارة.