العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦٨ - الأحوص و أيمن و ابن حزم مع الوليد
و كان لأمّ جعفر أخ يقال له أيمن، فاستعدى عليه ابن حزم الأنصاري و هو والي المدينة للوليد بن عبد الملك-و هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم-فبعث ابن حزم إلى الأحوص فأتاه، و كان ابن حزم يبغضه؛ فقال: ما تقول فيما يقول هذا؟ قال: و ما يقول؟قال: يزعم أنك تشبّب بأخته و قد فضحته و شهرت أخته بالشعر.
فأنكر ذلك، فقال لهما: قد اشتبه عليّ أمركما، و لكني أدفع إلى كل واحد منكما سوطا، ثم اجتلدا!و كان الأحوص قصيرا نحيفا؛ و كان أيمن طويلا ضخما جلدا، فغلب أيمن الأحوص فضربه حتى صرعه [١] و أثخنه؛ فقال أيمن:
لقد منع المعروف من أمّ جعفر # أشمّ طويل الساعدين غيور
علاك بمتن السّوط حتى اتّقيته # بأصفر من ماء الصّفاق يفور [٢]
قال: فلما رأى الأحوص تحامل ابن حزم عليه، امتدح الوليد ثم شخص إليه إلى الشام، فدخل عليه فأنشده:
لا ترثينّ لحزميّ رأيت به # ضرّا، و لو ألقي الحزميّ في النار
الناخسين لمروان بذي خشب # المدخلين على عثمان في الدار [٣]
قال له: صدقت و اللّه، لقد كنا غفلنا عن حزم و آل حزم. ثم دعا كاتبه فقال:
اكتب عهد عثمان بن حيان المرّي على المدينة، و اعزل ابن حزم، و اكتب بقبض أموال حزم و آل حزم و إسقاطهم أجمعين من الديوان، و لا يأخذوا لأموي عطاء أبدا.
ففعل ذلك، فلم يزالوا في الحرمان للعطاء مع ذهاب الأموال و الضياع، حتى انقضت دولة بني أمية و جاءت دولة بن العباس؛ فلما قام أبو جعفر المنصور بأمر الدولة، قدم عليه أهل المدينة، فجلس لهم، فأمر حاجبه أن يتقدم إلى كلّ رجل منهم أن ينتسب له إذا قام بين يديه؛ فلم يزالوا على ذلك يفعلون، حتى دخل عليه رجل قصير قبيح
[١] صرعه: طرحه على الأرض.
[٢] الصّفاق: جلد البطن.
[٣] ذو خشب: واد على مسيرة ليلة من المدينة.