العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦٦ - شبيب و عبد اللّه
الوليّ و تحظون العدوّ!قال: من يسعد بنا من الأولياء أكثر، و من يسلم لنا من الأعداء أقلّ و أيسر؛ و إنما نحن بشر و أكثرنا أذن [١] ، و لا يعلم الغيب إلا اللّه، و ربما استترت عنا الأمور فنقع بما لا نريد و إن لنا لإحسانا يأسو اللّه به ما نكلم، و يرمّ به ما نثلم، و نستغفر اللّه مما لا نعلم، و ما أنكرت من أن يكون الأمر على ما بلغك، مع الوليّ التعزز و الإدلال، و الثقة و الاسترسال؛ و مع العدو التحرّز و الاحتيال، و التذلل و الاغتيال، و ربما أملّ المدل، و أخلّ المسترسل، و تجانب المتقرّب؛ و مع المقة [٢]
تكون الثقة؛ على أن العاقبة لنا على عدوّنا، و هي لولينا؛ و إنك لسئول يا أخا بني تميم. قلت: إني أخاف أن لا أراك بعد اليوم!قال: إني لأرجو أن أراك و تراني كما تحب عن قريب إن شاء اللّه تعالى!قلت: عجّل اللّه ذلك. قال: آمين. قلت: و وهب لي السلامة منكم فإني من محبيكم!قال: آمين. و تبسم و قال: لا بأس عليك ما أعاذك اللّه من ثلاث. قلت: و ما هي؟قال: قدح في الدين، أو هتك للملك، أو تهمة في حرمة، ثم قال: احفظ عني ما أقول لك، أصدق و إن ضرّك الصّدق، و انصح و إن باعدك النّصح، و لا تجالس عدوّنا و إن أحظيناه، فإنه مخذول؛ و لا تخذل ولينا، فإنه منصور؛ و اصبحنا بترك المماكرة، و تواضع إذا رفعوك، و صل إذا قطعوك، و لا تسخف فيمقتوك، و لا تنقبض فيتحشموك، و لا تبدأ حتى يبدءوك، و لا تخطب الأعمال، و لا تتعرض للأموال؛ و أنا رائح من عشيّتي هذه؛ فهل من حاجة؟ فنهضت لوداعه فودعته، ثم قلت: أترقّب لظهور الأمر وقتا؟قال: اللّه المقدّر الموقّت، فإذا قامت النّوحتان بالشام فهما آخر العلامات. قلت: و ما هما؟قال: موت هشام العام، و موت محمد بن علي مستهلّ ذي القعدة، و عليه أخلفت و ما بلغتكم حتى أنضيت، قلت: فهل أوصى؟قال: نعم، إلى ابنه إبراهيم.
قال: فلما خرجت إذا مولى له يتبعني، حتى عرف منزلي، ثم أتاني بكسوة من
[١] الأذن: الخير.
[٢] المقة: المحبة.