العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦٥ - شبيب و عبد اللّه
قلت: ما ترى فيمن على الموسم؟و كان عليه يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي خال الوليد؛ فتنفس الصعداء و قال: عن الصلاة خلفه تسألني، أم كرهت أن يتأمّر على آل اللّه من ليس منهم؟قلت: عن كلا الأمرين. قال: إن هذا عند اللّه لعظيم؛ فأما الصلاة ففرض للّه تعبّد به خلقه، فأدّ ما فرض اللّه تعالى عليك في كل وقت مع كلّ أحد و على كل حال؛ فإن الذي ندبك لحجّ بيته و حضور جماعته و أعياده لم يخبرك في كتابه بأنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا، رحمة منه لك؛ و لو فعل ذلك بك ضاق الأمر عليك؛ فاسمح يسمح [١] لك.
قال: ثم كررت في السؤال عليه، فما احتجت أن أسأل عن أمر دين أحدا بعده.
ثم قلت: يزعم أهل العلم أنها ستكون لكم دولة. فقال: لا شك فيها، تطلع طلوع الشمس و تظهر ظهورها؛ فنسأل اللّه خيرها، و نعوذ باللّه من شرّها؛ فخذ بحظ لسانك و يدك منها إن أدركتها. قلت: أو يتخلف عنها أحد من العرب و أنتم سادتها؟قال:
نعم، قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم، و نأبى إلا طلبا بحقنا، فننصر و يخذلون، كما نصر بأوّلنا أوّلهم، و يخذل بمخالفتنا من خالف منهم قال: فاسترجعت، فقال:
سهل عليك الأمر سُنَّةَ اَللََّهِ اَلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللََّهِ تَبْدِيلاً [٢] .
و ليس ما يكون لهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم و حفظ أعقابهم و تجديد الصّنيعة عندهم. قلت: كيف تسلم لهم قلوبكم و قد قاتلوكم مع عدوّكم؟قال: نحن قوم حبّب إلينا الوفاء و إن كان علينا؛ و بغّض إلينا الغدر و إن كان لنا، و إنما يشذّ عنا منهم الأقل؛ فأما أنصار دولتنا و نقباء شيعتنا و أمراء جيوشنا فهم مواليهم، و موالي القوم من أنفسهم؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا بالمحسن عن المسيء، و وهبنا للرجل قومه و من اتصل بأسبابه؛ فتذهب النّائرة [٣] ، و تخبو الفتنة، و تطمئن القلوب.
قلت، و يقال، إنه يبتلي بكم من أخلص لكم المحبة. قال: قد روى: إن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره [٤] . قلت: لم أرد هذا. قال: فمه؟قلت: تعقّون
[١] سمح: جاد و كرم.
[٢] سورة الأحزاب: ٦٢.
[٣] النائرة: العداوة و الشحناء.
[٤] القرار: المكان المنخفض يجتمع فيه الماء.