العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦٤ - شبيب و عبد اللّه
منصرفا، فكأن عينا أصابته، فكبا [١] كبوة دميت لها إصبعه، فقعد لها القرفصاء، فدنوت منه متوجعا لما ناله، متصلا به، أمسح رجله من عفر التراب، فلا يمتنع علي، ثم شققت حاشية ثوبه فعصبت بها إصبعه و ما ينكر ذلك و لا يدفعه، ثم نهض متوكئا عليّ، و انقدت له أماشيه، حتى إذا أتى دارا بأعلى مكة ابتدره رجلان تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب فدخل و اجتذبني فدخلت بدخوله؛ ثم خلى يدي و أقبل على القبلة، فصلى ركعتين أوجز فيهما في تمام، ثم استوى في صدر مجلسه، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و سلم أتم صلاة و أطيبها، ثم قال: لم يخف عليّ مكانك منذ اليوم و لا فعلك بي؛ فمن تكون يرحمك اللّه؟قلت: شبيب بن شيبة التميمي، قال: الأهتمي؟قلت: نعم. قال: فرحّب و قرّب، و وصف قومي بأبين بيان و أفصح لسان، فقلت له: أنا أجلك-أصلحك اللّه-عن المسألة، و أحبّ المعرفة!فتبسم و قال: لطف أهل العراق!أنا عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس. فقلت: بأبي أنت و أمي، ما اشبهك بنسبك و أدلّك على منصبك!و لقد سبق إلى قلبي من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك!قال: فاحمد اللّه يا أخا بني تميم فإنّا قوم إنما يسعد اللّه بحبّنا من أحبّه؛ و يشقي ببغضنا من أبغضه، و لن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب اللّه و يحب رسوله؛ و مهما ضعفنا عن جزائه قوي اللّه على أدائه.
فقلت له: أنت توصف بالعلم و أنا من حملته، و أيام الموسم ضيقة، و شغل أهل مكة كثير، و في نفسي أشياء أحبّ أن أسأل عنها؛ أ فتأذن لي فيها جعلت فداك؟قال:
نحن من أكثر الناس مستوحشون، و أرجو أن تكون للسرّ موضعا، و للأمانة واعيا؛ فإن كنت كما رجوت فافعل. قال: فقدّمت من وثائق القول و الأيمان ما سكن إليه، فتلا قول اللّه: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهََادَةً؟قُلِ اَللََّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ [٢] .
ثم قال: سل عما بدا لك.
[١] كبا الرجل: عثر، و كبا الحيوان: انكبّ على وجهه.
[٢] سورة الأنعام الآية ١٩.