العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٨ - لابن هارون فيهم
قال سهل بن هارون: إني لأحصّل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في بناء خلا به داخل سرادقه، و هو مع الرشيد بالرقة و هو يعقدها جملا بكفه، إذ عشيته سآمة فأخذته سنة [١] فغلبته عيناه، فقال: ويحك يا سهل!طرق النوم شفري [٢] ، و حلت السّنة جفنيّ، فما ذلك؟قلت: ضيف كريم، إن قريته روّحك و إن منعته عنّتك، و إن طردته طلبك، و إن أقصيته أدركك، و إن غالبته غلبك!قال: فنام أقلّ من فواق [٣] بكية، أو نزع ركيّة [٤] ؛ ثم انتبه مذعورا، فقال: يا سهل لأمر ما كان! و اللّه لقد ذهب ملكنا، و ولى عزّنا، و انتقصت أيام دولتنا!قلت: و ما ذاك أصلح اللّه الوزير؟قال: كأنّ منشدا أنشدني:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكة سامر [٥]
فأجبته من غير روية و لا إجالة فكرة:
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا # صروف الليالي و الجدود العواثر
قال: فو اللّه ما زلت أعرفها منه و أراها ظاهرة فيه إلى الثالث من يومه ذلك فإني لفي مقعدي بين يديه أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه، قد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلا سعى إليه حتى ارتمى مكبا عليه، فرفع رأسه فقال: مهلا ويحك!ما اكتتم خير و لا استتر شرّ. قال: قتل أمير المؤمنين جعفرا الساعة!قال: أو قد فعل؟قال: نعم. قال: فما زاد أن رمى القلم من يده، و قال: هكذا تقوم الساعة بغتة.
قال سهل بن هارون: فلو انكفأت [٦] السماء على الأرض ما زاد. فتبرأ منهم الحميم و استبعد عن نسبهم القريب، و جحد ولاءهم المولى و استعبرت لفقدهم الدنيا، فلا لسان يخطر بذكرهم، و لا طرف ناظر يشير إليهم.
[١] السنة: النعاس.
[٢] الشّفر: حرف كل شيء. و شغر الجفن: حرفه الذي ينبت عليه الهدب.
[٣] الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت.
[٤] الركيّة: البئر.
[٥] الحجون: جبل بأعلى مكة.
[٦] انكفأت السماء: مالت.