العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٦ - أخبار الحجاج
و قد رحل الناس و هم على طعام يأكلون، فقال لهم: ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين؟فقال له: انزل يا ابن اللخناء [١] فكل معنا. فقال: هيهات. ذهب ما هنالك. ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط و طوّفهم في العسكر، و أمر بفساطيط [٢] روح بن زنباع فأحرقت بالنار؛ فدخل بن زنباع على عبد الملك بن مروان باكيا، فقال له:
مالك؟فقال يا أمير المؤمنين، الحجاج بن يوسف الذي كان في عديد شرطتي، ضرب عبيدي و أحرق فساطيطي!قال: عليّ به. فلما دخل عليه قال: ما حملك على ما فعلت؟قال: ما أنا فعلته يا أمير المؤمنين!قال: و من فعله؟قال أنت و اللّه فعلته؛ إنما يدي يدك، و سوطي سوطك؛ و ما على أمير المؤمنين أن يخلف على روح بن زنباع للفسطاط فسطاطين و للغلام غلامين، و لا يكسرني فيما قدّمني له؟فأخلف لروح بن زنباع ما ذهب له و تقدم الحجاج في منزلته، و كان ذلك أول ما عرف من كفايته.
قال أبو الحسن المدائني: كانت أم الحجاج الفارعة بنت هبّار. فقال: كان الحجاج ابن يوسف يضع كل يوم ألف خوان [٣] في رمضان و في سائر الأيام خمسمائة خوان، على كل خوان عشرة أنفس، و عشرة ألوان، و سمكة مشوية طرية، و أرزة بسكر، و كان يحمل في محفّة [٤] و يدار به على موائده يتفقدها، فإذا رأى أرزة ليس عليها سكر و سعى الخباز ليجيء بسكرها فأبطأ حتى أكلت الأرزة بلا سكر، أمر به فضرب مائتي سوط؛ فكانوا بعد ذلك لا يمشون إلا متأبّطي خرائط السكر.
قال: و كان يوسف بن عمر والي العراق في أيام هشام بن عبد الملك يضع خمسمائة خوان، فكان طعام الحجاج لأهل الشام خاصة، و طعام يوسف بن عمر لمن حضره؛ فكان عند الناس أحمد.
العتبي قال: دخل على الحجاج سليك بن سلكة، فقال: أصلح اللّه الأمير، أعرني سمعك، و اغضض عني بصرك، و اكفف عني غربك [٥] ؛ فإن سمعت خطأ أو زللا
[١] اللخناء: المرأة قبح كلامها.
[٢] فساطيط: جمع فسطاط، و هو البيت يتخذ من الشعر.
[٣] الخوان: ما يؤكل عليه.
[٤] المحفّة: هودج لا قبة له.
[٥] الغرب: الحدّة.