العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٦٩ - أخبار زياد
بعثني إليك؟و لا نعلم أحدا يمدّ يده إلى هذا الأمر غير الحسن، و قد بايع معاوية، فخذ لنفسك قبل التّوطين فيستغني عنك معاوية. قال: أشر عليّ و ارم الغرض الأقصى، فإن المستشار مؤتمن. قال: أرى أن تصل حبلك بحبله و تسير إليه، و تعير الناس أذنا صماء و عينا عمياء!قال: يا ابن شعبة، لقد قلت قولا لا يكون غرسه في غير منبته، و لا مدرة [١] تغذيه، و لا ماء يسقيه، كما قال زهير:
و هل ينبت الخطّيّ إلا وشيجه # و تغرس إلا في منابتها النّخل [٢] ؟
ثم قال: أرى و يقضي اللّه.
و ذكر عمر بن عبد العزيز زيادا فقال: سعى لأهل العراق سعى الأمّ البرة، و جمع لهم جمع الذرّة.
و قال غيره: تشبّه زياد بعمر فأفرط، و تشبّه الحجاج بزياد فأهلك الناس.
و قالوا: الدهاة أربعة: معاوية للرويّة، و عمرو بن العاص للبديهة، و المغيرة للمعضلات، و زياد لكل صغيرة و كبيرة.
و لما قدم زياد العراق قال: من على حرسكم؟قالوا: بلج. قال: إنما يحترس من مثل بلج فكيف يكون حارسا.
أخذه الشاعر فقال:
و حارس من مثله يحترس
العتبي قال: كان في مجلس زياد مكتوبا: الشدّة في غير عنف، و اللين في غير ضعف. المحسن يجازي بإحسانه، و المسيء يعاقب بإساءته. الأعطيات في أيامها. لا احتجاب عن طارق ليل، و لا صاحب ثغر.
[١] مدرة: الطين اللزج المتماسك.
[٢] الوشيج: ما نبت من القنا و القصب ملتفا.