المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٦١ - فصل
و بات السائب في ليلة ظلماء على ربوة من الأرض يرمق برقا نشأ من قبل الحجاز، ثم استطار حتى بلغ المشرق، فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه، فإذا روضة خضراء. فقال فيما يعتاف: لئن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت عن ملك كان قبله.
فلما اجتمع الحزاة قال بعضهم لبعض: و اللَّه ما حيل بينكم و بين علمكم إلا لأمر جاء من السماء و إنه لنبي قد بعث، أو هو مبعوث يسلب هذا الملك و يكسره، و إن نعيتم إلى كسرى ملكه ليقتلنكم، فأقيموا بينكم أمرا تقولونه فجاءوا كسرى فقالوا له: قد نظرنا هذا الأمر فوجدنا حسابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك و سكرت دجلة العوراء، و وضعوه على النحوس و إنا سنحسب لك حسابا، تضع بنيانك فلا يزول، قال: فاحسبوا. فحسبوا له ثم قالوا: ابنه، فبناه. فعمل في دجلة ثمانية أشهر، و أنفق فيها من الأموال ما لا يدرى ما هو، حتى إذا فرغ قال [لهم:] [١] أجلس على سورها، قالوا: نعم فأمر بالبسط و الفرش و الرياحين. فوضعت عليها [و أمر بالمرازبة فجمعوا له، و جمع اللعّابون و خرج حتى جلس عليها] [٢] فبينا هو هنالك انشقت دجلة و انهار البنيان من تحته، فلم يستخرج إلا بآخر رمق، فلما أخرج قتل من الحزاة قريبا من مائة، و قال تلعبون بي؟ قالوا: أيها الملك، أخطأنا كما أخطأ من كان قبلنا و لكنا سنحسب لك حسابا حتى تضعها على الوفاق من السعود.
قال: انظروا ما تقولون. قالوا: فإنا نفعل، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه فبنى و أنفق من الأموال ما لا يدرى ما هو ثمانية أشهر، ثم [قال:] [٣] أ فأخرج فأقعد؟ قالوا:
نعم. فركب برذونا له و خرج يسير عليها إذ انشقت دجلة بالبنيان، فلم يدرك إلا بآخر رمق، فدعاهم فقال: و اللَّه لأمرنّ على آخركم، و لأترعنّ أكتافكم، و لأطرحنّكم تحت أيدي الفيلة أو لتصدقنّي ما هذا الأمر الّذي تلفقون به عليّ؟
قالوا: لا نكذبك، أيها الملك أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة و انفصمت طاق
[١] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٢] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، ت و أثبتناه من ألوفا لابن الجوزي.
[٣] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.