المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٣٥ - ذكر الحوادث في سنة أربعين من مولده صلى اللَّه عليه و سلم
قال القرشي: و حدثني أحمد بن الوليد قال: أخبرنا أحمد بن زيد قال: أخبرنا علي بن حرملة، عن مالك بن مغول، عن الشعبي، عن إسحاق بن طلحة قال:
دخلت على حرقة بنت النعمان، و قد ترهبت في دير لها بالحيرة، و هي في ثلاثين جارية لم ير مثل حسنهن. فقلت: يا حرقة، كيف رأيت عثرات الملك؟ قالت: الّذي نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه أمس.، و أنشدت تقول:
و بتنا نسوس الناس و الأمر أمرنا * * * إذا نحن فيهم سوقة تتنصّف.
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها * * * تقلب أحيانا بنا و تصرف.
و ذلك أنه لما هلك النعمان بن المنذر قيل لكسرى: إن ماله و بيته عند هانئ بن مسعود البكري، فكتب [١] إليه كسرى ليبعث ذلك إليه فأرسل إليه: ليس عندي مال [٢].
فأعاد الرّسول: قد بلغني أنه عندك. فقال: إن كان الّذي بلّغك [٣] كاذبا فلا تأخذ بالكذب، و إن كان صادقا فذلك عندي أمانة، و الحرّ لا يسلّم أمانته.
فعبر كسرى الفرات و دعا إياس بن قبيصة الطائي، و كان قد أطعمه ثمانين قرية على شط الفرات، فشاوره فقال: ما ترى؟ فقال: إن تطعني فلا يعلم أحد لأي شيء عبرت، و قطعت الفرات، فيرون أن شيئا من أمر العرب قد كرثك و لكن ترجع فتعرض عنهم و تبعث عليهم العيون حتى ترى منهم غفلة، ثم ترسل قبيلة من العجم فيها بعض القبائل التي تلتهم من أعدائهم فيوقعون بهم.
فقال له كسرى [٤]: قد بلغني أنهم أخوالك [و أنت] [٥] لا تألوهم نصحا.
فقال إياس: رأي الملك أفضل. فبعث الهرمزان في ألفين من خيول الأعاجم، و بعث ألفا من إياد، و ألفا من بهزى عليهم خالد البهزاني، فلما بلغ بكر بن وائل خبر القوم أرسلوا إلى قيس بن مسعود بن هانئ بن مسعود [٦]، فقدم ليلا، فأتى مكانا خفيا
[١] في ت: «فبعث إليه كسرى».
[٢] «مال» سقطت من ت.
[٣] في ت: «إن الّذي بلغك إن كان».
[٤] في ت: «فقال كسرى».
[٥] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٦] «بن هانئ بن مسعود» سقط من ت.