المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٩ - ذكر الحوادث في سنة اثنتين و ثلاثين من مولده صلى اللَّه عليه و سلم
فلما تتابعت عليه هذه الأحلام قصها على عظماء الروم و ذوي الرأي منهم فأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعدّ هرقل و استخلف ابنا له على مدينة قسطنطينيّة، فسار حتى أوغل [١] في بلاد أرمينية و نزل نصيبين بعد سنة، فلما بلغ كسرى نزول هرقل في جنوده بنصيبين وجّه لمحاربته رجلا من قواده يقال له: راهزار في اثني عشر ألف فارس، و أمره [٢] أن يقيم بنينوى في مدينة [٣] الموصل على شاطئ دجلة، و يمنع الروم أن تجوزها، فنفذ راهزار لأمر كسرى و عسكر حيث أمره، فقطع هرقل دجلة في موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جند فارس [٤]، فأذكى راهزار عليه العيون، و أخبروه أنّه في سبعين ألفا و أيقن بالعجز عنه، فكتب إلى كسرى يخبره بعجزه، و كتب كسرى: إنكم إن عجزتم عن الروم لم تعجزوا عن بذل دمائكم في طاعتي، فناهض الروم، فقتل و معه ستة آلاف رجل و انهزم الباقون، فبلغ ذلك كسرى فتهيأ [٥] و تحصن بالمدائن لعجزه، و سار هرقل حتى قارب المدائن، فلما استعد [٦] كسرى لقتاله انصرف إلى أرض الروم [٧].
قال عكرمة [٨]: كانت في فارس امرأة لا تلد إلّا الأبطال، فدعاها كسرى، فقال:
إنّي أريد أن أبعث إلى الرّوم جيشا و أستعمل عليهم رجلا من بنيك فأشيري عليّ أيّهم أستعمل. فقالت: هذا فرّخان أنفذ من سنان، و هذا شهربراز [٩] أحلم من كذا. قال:
فإنّي قد استعملت الحليم، فاستعمل شهربراز، فسار إلى الرّوم بأرض فارس و ظهر عليهم، فقتّلهم و خرّب مدائنهم، و قطع زيتونهم.
فلمّا ظهرت فارس [على الروم] [١٠] جلس فرّخان يشرب، فقال لأصحابه: رأيت
[١] في ت: «حتى دخل بلاد أرمينية».
[٢] في ت: «و آمن أن يقيم».
[٣] في ت: «شرقي مدينة».
[٤] في ت: «جند كسرى».
[٥] «فتهيأ» سقطت من ت.
[٦] في ت: «فاستعد».
[٧] تاريخ الطبري ٢/ ١٨٠- ١٨٣.
[٨] من هنا حتى نهاية أحداث السنة سقطت من ت.
[٩] في الأصل: «شهريار» و التصحيح من الطبري ٢/ ١٨٥.
[١٠] ما بين المعقوفتين من الطبري ٢/ ١٨٦.