المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩٥ - ٢٧٨٠- فناخسرو بن الحسن بن
و الموصل، و ديار بكر و حران، و منبج، و كان مع صدقاته، و إيصاله ينظر في الدينار، و ينافس [١] في القيراط، و أقام مكوسا، و منع أن يعمل في الآلة، و آثر آثار من الظلم، فلما احتضر عضد الدولة جعل يتمثل بقول القاسم بن عبيد اللَّه:
قتلت صناديد الرجال فلم أدع * * * عدوا و لم أمهل على ظنة خلقا
و أخليت دور الملك من كل نازل * * * فشردتهم غربا و بددتهم [٢] شرقا
فلما بلغت النجم عزا و رفعة * * * و صارت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهما فأخمد جمرتي * * * فها أنا ذا في حفرتي عاطلا ملقى
فأذهبت دنياي و ديني سفاهة * * * فمن ذا الّذي مني بمصرعة أشقى/
ثم جعل يقول (ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ) فرددها إلى أن توفي في آخر يوم الإثنين من شوال هذه السنة عن سبع و أربعين سنة، و أحد عشر شهرا، و ثلاثة أيام، و قيل: بل عن ثمانية و أربعين سنة، و ستة أشهر، و خمسة عشر يوما، و أخفي خبره، و دفن في دار المملكة إلى أن خرجت السنة، و تقررت قواعد ما يتعلق به في السنة المقبلة [٣]، فلما توفي بلغ خبره إلى مجلس بعض [٤] العلماء، و فيه جماعة من أكابر أهل العلم، فتذاكروا الكلمات التي قالها الحكماء عند موت الإسكندر.
و قد رويت لنا من طرق مختلفة الألفاظ، و نحن نذكر أحسنها، و ذلك [٥] أن الإسكندر لما مات قام عند تابوته جماعة من الحكماء، فقال أحدهم: سلك الإسكندر طريق من فني، و في موته عبرة لمن بقي، و قال الثاني، خلف الإسكندر ماله لغيره، و نحكم فيه بغير حكمه، و قال الثالث: أصبح الإسكندر مشتغلا بما عاين و هو بالأعمال يوم الجزاء اشغل، و قال الرابع: كنت مثلي حديثا و أنا مثلك و شيكا، و قال الخامس: إن هذا الشخص كان لكم واعظا، و لم يعظكم قط، بأفضل من مصرعه. و قال السادس: كان
[١] في الأصل: «يناقش».
[٢] في الأصل: «و شردتهم».
[٣] في الأصل «المستقبلة».
[٤] في ل، ص و المطبوعة: «إلى بعض مجلس».
[٥] في ص، ل: «ذاك».