المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٥٠ - قبض على الطائع في داره
تناهى في الإناء لي و الإخفاء بي، و الرفع من مجلسي، و الزيادة في بسطي، و أجتهد في تقبيل يده فيمنعنيها و لا يمكنني منها، فاتفق أن دخلت إليه يوما على رسمي فوجدته متأهبا تأهبا لم أعرف سببه، و لا جرت له به عادة، و لم أر منه ما عودنيه من الإكرام و الرفع من مجلسي و الإقبال عليّ و البسط، و جلست دون موضعي، فما أنكر ذلك مني، و رمت تقبيل يده، فمدها إلي، و شاهدت من أمره و فعله ما اشتد وجومي له، و اختلفت في الظنون فيه، و قلت له عند رؤيتي ما رأيته، و إنكاري ما أنكرته، أ يؤذن لي في الكلام؟
قال: قل. قلت: أرى اليوم من الانقباض عني ما قد أوحشني، و خفت أن يكون لزلة كانت مني، فإن يكن ذلك فمن حكم التفضيل إشعاري به لأطلب بالعذر مخرجا منه، و أستعين بالأخلاق الشريفة في العفو عنه، فأجابني بوقار: اسمع أخبرك، رأيت البارحة في منامي كأن نهركم هذا- و أومأ إلى نهر الصليق- قد اتسع حتى صار في عرض دجلة دفعات، و كأنني متعجب من ذلك، و سرت على ضفتيه، متأملا لأمره و مستظرفا لعظمه، فرأيت دستاهيج قنطرة فقلت: ترى من قد حدث نفسه بعمل قنطرة في هذا الموضع، و على هذا البحر الكبير و صعدته، و كان وثيقا محكما، و مددت عيني فإذا بإزائه مثله، فزال عني الشك في أنهما دستاهيج قنطرة، و أقبلت أصعد و أصوب في التعجب، و بينا أنا واقف عليه رأيت شخصا قد قابلني من ذلك الجانب [الآخر و ناداني] و قال: يا أحمد تريد أن تعبر؟ قلت: نعم فمد يده حتى وصلت إليّ و أخذني و عبرني، فهالني أمره [و فعله] و قلت له: و قد تعاظمني فعله من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، و هذا الأمر صائر إليك و يطول عمرك فيه، فأحسن في ولدي، و شيعتي، فما انتهى الخليفة إلى هذا المكان حتى سمعنا صياح الفلاحين و ضجيج ناس، فسألنا عن ذلك فقيل ورد أبو علي الحسن بن محمد بن نصر و معه جماعة، و إذا هم الواردون للإصعاد به، و قد تقررت الخلافة له، و أنفذ معهم قطعة من أذن الطائع للَّه، فعاودت تقبيل يده و رجله، و خاطبته بإمرة أمير المؤمنين، و بايعته و كان من إصعاده و إصعادي معه ما كان قال هلال:
وجدت كتابا كتبه القادر باللَّه من الصليق إلى بهاء الدولة نسخته:
بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم: من عبد اللَّه أحمد الإمام القادر باللَّه أمير المؤمنين إلى بهاء الدولة و ضياء الملة أبي نصر بن عضد الدولة و تاج الملة مولى أمير المؤمنين، سلام