المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٥ - ٢٥٦٣- محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر اللغوي
حدثنا [١] رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن المحسن عمّن حدّثه: أن أبا عمر الزاهد كان يؤدب ولد القاضي أبي عمر، فأملى يوما على الغلام نحوا من ثلاثين مسألة في اللغة، و ذكر غريبها و ختمها ببيتين من الشعر، و حضر أبو بكر بن دريد، و ابن الأنباري، و ابن مقسم عند أبي عمر القاضي، فعرض عليهم تلك المسائل، فما عرفوا منها شيئا، و أنكروا الشعر، فقال لهم القاضي: ما تقولون فيها/ فقال له ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف «مشكل القرآن» و لست أقول شيئا. و قال ابن مقسم مثل ذلك لاشتغاله بالقراءات، و قال ابن دريد: هذه المسائل من موضوعات أبي عمر، و لا أصل لشيء منها في اللغة! و انصرفوا، و بلغ أبا عمر ذلك فاجتمع مع القاضي و سأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عيّنهم له، ففتح القاضي خزانته و أخرج له تلك الدواوين فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة و يخرج لها شاهدا من بعض تلك الدواوين [٢]، و يعرضه [٣] على القاضي حتى استوفى جميعها، ثم قال: و هذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي، و كتبهما القاضي بخطه على ظهر كتاب القاضي، فأحضر القاضي [٤] الكتاب فوجد البيتين على ظهره بخطه كما ذكر أبو عمر، و انتهت القصة إلى ابن دريد، فلم يذكر أبا عمر بلفظة حتى مات.
أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا عبد الصمد بن محمد الخطيب أنبأنا [٥] الحسن بن الحسين الهمذاني قال: سمعت أبا الحسن بن المرزبان يقول: كان ابن ماسي ينفذ إلى أبي عمر كفايته ينفقها على نفسه، فقطع عنه ذلك مدة لعذر، ثم أنفذ إليه ما انقطع جملة، و كتب إليه رقعة يعتذر من تأخير ذلك عنه، فرده و أمر من بين يديه أن يكتب على ظهر رقعته: أكرمتنا فملكتنا، ثم أعرضت عنا فأرحتنا. قال أحمد بن علي: لا شك أن ابن ماسي هو: إبراهيم بن أيوب و اللَّه أعلم [٦].
[١] في ص، ل: «حكى». و في ت: «جاء».
[٢] «فلم يزل أبو عمر .... تلك الدواوين» سقط من ص.
[٣] في الأصل: «و عرضه».
[٤] «القاضي» سقط من ص، ت، ل.
[٥] في ص، ت، ل: «أخبرنا».
[٦] «و اللَّه أعلم» سقطت من ت، ص، ل.