المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٧٦ - ٢٩١١- إسماعيل بن عباد، أبو القاسم و يلقب كافي الكفاة الصاحب
الصاحب عالما بفنون من العلوم كثيرة لم يقاربه في ذلك الوزير و له التصانيف الحسان، و النثر البالغ، و جمع كتبا عظيمة حتى كان يحتاج في نقلها على أربعمائة حمل، و كان يخالط العلماء، و الأدباء و يقول لهم، نحن بالنهار سلطان و بالليل إخوان، و سمع الحديث و أملى، و روى أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بكيا قال: سمعت أبا الفضل زيد بن صالح الحنفي يقول: لما عزم الصاحب [إسماعيل بن عباد] على الاملاء و كان حينئذ في الوزارة، و خرج يوما متطلسا متحنكا بزي أهل العلم فقال، قد علمتم قدمي في العلم فأقروا له بذلك، فقال، و انا متلبس بهذا الأمر و جميع ما أنفقته من صغري إلى وقتي هذا من مال أبي و جدي و مع هذا فلا أخلو من تبعات اشهدوا عليّ و أشهد اللَّه و أشهدكم أني تائب الى اللَّه تعالى من كل ذنب أذنبته، و اتخذ لنفسه بيتا و سماه بيت التوبة، و لبث أسبوعا على ذلك ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، ثم خرج فقعد للاملاء و حضر الخلق الكثير و كان المستملي الواحد ينضاف اليه ستة كل يبلغ صاحبه، فكتب الناس حتى القاضي عبد الجبار و كان الصاحب ينفذ كل سنة إلى بغداد خمسة آلاف دينار تفرق في الفقهاء و أهل الأدب و كان لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، و يبغض من يميل الى الفلسفة و أهدى اليه العميري القاضي [بقزوين] كتبا و كتب معها.
العميري عبد كافي الكافة * * * و ان اعتد في وجوه القضاة
خدم المجلس الرفيع بكتب * * * مفعمات من حسنها مترعات
فوقع تحتها.
قد قبلنا من الجميع كتابا * * * و رددنا لوقتنا الباقيات
لست استغنم الكثير فطبعي * * * قول خذ ليس مذهبي قول هات
فاستدعى يوما شرابا فجيء بقدح، فلما أراد أن يشرب قال له بعض خواصه: لا تشربه فإنه مسموم فقال: و ما الشاهد على صحة قولك؟ قال: أن تجربه على من أعطاك إياه قال لا استحل ذلك، قال فجربه على دجاجة قال: إن التمثيل بالحيوان لا يجوز، فرد القدح و أمر بصب ما فيه و قال للغلام: لا تدخل داري و امر بأفراد جراية عليه، و مرض بالأهواز عن سجع عرض له فكان إذا قام عن الطست يترك إلى جانبه عشرة دنانير حتى لا يتبرم به الفراشون، فكانوا يتمنون دوام علته فلما برأ أنهب الفقراء ما حوت داره، فكان