المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥٩ - ٢٤٨٦- علي بن عيسى بن داود بن الجراح، أبو الحسن، وزير المقتدر باللَّه، و القاهر باللَّه
بالثغر أن أسارى المسلمين في بلد الروم كانوا على رفق و صيانة إلى أن ولي آنفا ملك الروم حدثان/ منهم، فعسفا الأسارى، و أجاعاهم، و أعرياهم، و عاقباهم، و طالباهم بالتنصر، و أنهم في عذاب شديد، و لا حيلة لي في هذا و الخليفة لا يساعدني، فكنت أنفق الأموال و أجهز الجيوش إلى القسطنطينية فقلت: ها هنا أمر سهل يبلغ به الغرض، فقال: قل يا مبارك! قلت: إن بأنطاكيّة عظيما للنصارى يقال له: البطرك، و بالقدس آخر يقال له: الجاثليق، و أمرهما ينفذ على الروم و على ملوكهم، و البلدان في سلطاننا، و الرجلان في ذمتنا، فيأمر الوزير بإحضارهما، و يتقدم إليهما بإزالة ما تجدد على الأسارى، فإن لم يزل لم يطالب بتلك الجريرة غيرهما، فكتب يستدعيهما، فلما كان بعد شهرين جاءني [١] رسوله، فجئت فوجدته مسرورا فقال: جزاك اللَّه عن نفسك و دينك و عني خيرا، كان رأيك أبرك رأي و أسدّه، هذا رسول العامل قد ورد، و قال له:
خبر بما جرى، فقال: انفذني العامل مع رسول البطرك و الجاثليق إلى القسطنطينية، و كتبا إلى ملكيها أنكما قد خرجتما بما فعلتما عن ملة المسيح (عليه السلام)، [٢] و ليس لكما الإضرار بالأسارى، فإنه يخالف دينكما و ما يأمركما به المسيح (عليه السلام) [٣] فإما زلتما عن هذا الفعل و إلّا حرّمناكما، و لعنّاكما على هذين الكرسيين، فلما وصلنا إلى القسطنطينية حجبنا أياما، ثم أوصل الرسولان إليهما و استدعياني، فقال الترجمان:
يقول لكما الملكان: الّذي بلغ ملك العرب من فعلنا بالأسارى كذب و تشنيع، و قد أذنا لك في [٤] دخولك لتشاهدهم على ضد ما قيل، و تسمع شكرهم لنا فدخلت فرأيت [٥] الأسارى، و كأن وجوههم قد خرجت من القبور، تشهد بما كانوا فيه من الضر، و رأيت ثيابهم جميعا جددا فعلمت أني حجبت تلك الأيام لتغيير حالهم. فقال لي الأسارى: نحن شاكرون للملكين فعل اللَّه بهما و صنع، و أومأ إليّ بعضهم أن الّذي بلغكم/ كان صحيحا، إنما خفف عنّا لما حصلتم ها هنا، فكيف بلغكم أمرنا؟ فقلت: ولي الوزارة علي بن عيسى،
[١] في باقي النسخ: «بعد شهر جاءني».
[٢] في باقي النسخ: «عن ملة عيسى (عليه السلام)».
[٣] «(عليه السلام)» سقطت من باقي النسخ.
[٤] في باقي النسخ: «و قد أذنا في دخولك».
[٥] في باقي النسخ: «فحملت فرأيت».