المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٥٥ - وفاة القرمطي صاحب هجر
الركبان [١]، فلما دنوت من الحجرة وقفته و قلت له: إياك أن تبرح من مكانك حتى أعود إليك [٢]، و إذا سلمت فليكن بخشوع و خضوع.
و دخلت لأستأذن له، فالتفت فإذا هو واقف إلى جانبي [٣]، قد حوّل وجهه نحو دار بختيار، و استفتح و قرأ. بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم (وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [٤]. ثم حول وجهه نحو الملك، و قال «بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم (ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [٥] و أخذ في وعظه فأتى بالعجب فدمعت عين الملك، و ما رأيت ذلك منه قط، و ترك كمه على وجهه، و تراجع أبو الحسين، فخرج و مضى إلى حجرتي فقال الملك: امض إلى بيت المال، و خذ ثلاثة آلاف درهم، و إلى خزانة الكسوة و خذ منها عشرة أثواب، و ادفع الجميع إليه، فإن امتنع فقل له: فرقها في فقراء [٦] أصحابك، فإن قبلها فجئني برأسه، فاشتد جزعي و خشيت أن يكون هلاكه على يدي، ففعلت و جئته بما أمر، و قلت له:
مولانا يقرئك السلام، و قال لك: استعن بهذه الدراهم في نفقتك، و البس هذه الثياب، فقال لي: إن هذه الثياب التي عليّ مما قطعه لي أبي منذ أربعين سنة، ألبسها يوم [خروجي إلى الناس، و أطويها عند انصرافي عنهم] [٧] و فيها [متعة] [٨] و بقية ما بقيت، و نفقتي من أجرة دار خلفها أبي، فما أصنع بهذا؟ قلت: هو يأمرك بأن تصرفه في فقراء [٩]. أصحابك. فقال: ما في أصحابي فقير، و أصحابه إلى هذا أفقر من أصحابي، فليفرقه عليهم. فعدت فأخبرته، فقال: الحمد للَّه الّذي سلمه منا، و سلمنا منه.
[١] في الأصل: «الركاب».
[٢] «إليك» سقطت من ص، ل.
[٣] في الأصل: «إلى جانبي واقف».
[٤] سورة هود، الآية: ١٠٢.
[٥] سورة: يونس، الآية: ١٤.
[٦] في الأصل: «فرقها على أصحابك».
[٧] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٨] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٩] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.