تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٩٠
سكون شامل ، فانتظم أمرُه ، واطَّرد حاله ، وسكنت أيامه [١] . قوله عليه السلام : « فيا عجباً » أصله ، فياعجبي ، قال : العجب منه ، وهو يستقيل المسلمين من الخلافة أيام حياته ، فيقول : أقيلوني ، ثم يعقدها عند وفاته لآخر ، وهذا يناقض الزهد فيها والاستقالة منها . وقال شاعر من شعراء الشِّيعة : حَمَلُوها يومَ السَّقيفَةِ أوزا را تَخفُّ الجبال وَهِيَ ثِقَالُ ثم جاءوا من بَعْدِهَا يستقِيلُو نَ ، وهيهاتَ عثرة لا تقالُ! وقوله عليه السلام : « لشدّ ما تشطَّرا ضرعيها » ، شدّ ، أصله « شدد » ، كقولك : حبّ في « حبذا » أصله حَبَب ، ومعنى « شدّ » صار شديدا جدّا ، ومعنى « حبّ » صار حبيبا . وللناقة أربعة أخلاف : خِلْفان قادمان وخِلْفان آخران ، وكلّ اثنين منهما شطر وتَشَطَّرا ضَرْعيها : اقتسما فائدتها ونفعها ، والضمير للخلافة ، وسَمّى القادميْن معاً ضَرْعاً ، وسمَّى الآخرين مَعا ضَرْعاً لمَّا كانا لتجاورهما ، ولكونهما لا يُحْلَبَان إلاّ معاً ، كشيء واحد . قوله عليه السلام : « فجعلها في حَوزَة خشناء » ، أي في جهة صعبة المرام ، شديدة الشَّكيمة. والكَلم : الجرح . وقوله : « يغلُظ » الجُرج إذا أمعن وعَمُق ، فكأنَّه قد تضاعف وصار جُروحاً ، فسمّي غليظا . إن قيل : قد قال عليه السلام « في حَوزَةٍ خَشْنَاء » ، فوصفها بالخشونة ، فكيف عاد ذكر الخشونة ثانية فقال : « يَخْشُنُ مَسُّها »؟ قيل : الاعتبار مختلف ؛ لأنّ مراده بقوله « في حوزة خشناء » أي لا يُنال ما عندها ولا يرام ، يقال : إنّ فلانا الخشِن الجانب ووعر الجانب ، ومراده بقوله : « يَخْشنُ مَسُّها » ، أي تؤذي وتضر وتنكئ مَنْ يمسّها ؛ يصف جفاء أخلاق الوالي المذكور [٢] ، ونفور طبعه وشدة
[١] إنّ الإمام عليه السلام كان يعتقد أنّ عمر جعل في عنقه بيعة أبي بكر ، ليصير الأمر إليه من بعده . وقد صرح بذلك تارة لعمر بقوله : « احلب حلبا لك شطره ، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً » ، راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١:٢٩ بتحقيق علي شيري ، والأصل من هذا الكتاب ٦:١١ ـ ١٢ . ولذا جعل تصيير أبي بكر الأمر إلى عمر إرشاءً له . وتارة لعبد الرحمن بن عوف في يوم بيعة عثمان : « واللّه ما فعلتها إلاّ لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه ، دقّ اللّه بينكما عطر منشم » . ذكره ابن أبي الحديد ، راجع الأصل من هذا الشرح ١:١٨٨ .[٢] ويقصد به عمر بن الخطاب . والمعروف من سيرة عمر ، أنها كانت بالعنف والعجرفة ، وبالجهل وقلّة المعرفة وبأن معاملته للناس كانت خبطا ، وشماسا أي محاباة وإيثارا ، كما فعل في العطاء . وشبّه عمله بفعل البعير النادّ الشارد ، وبفعل الفرس الشموس ، وتقلّبا في الأقوال والأفعال إذ كان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة ، منها ـ الكلمة التي قالها في مرض رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ـ إنّه ليهجر ، حينما قال : آتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، قال ابن أبي الحديد : ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته ، وفي شرح النهج ١ : ١٨١ ـ ١٨٣ تجد الكثير من المصاديق على سلوكه هذا .