تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٣٠
.ومن خطبة له عليه السلام قَدْ فَطَمَتْ ، وَيُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ . يا خَيْبَةَ الدَّاعِي ! مَنْ دَعَا ! وَإِلاَمَ أُجِيبَ ؟ وَإِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللّه ِ عَلَيْهِمْ وَعِلْمِهِ فِيهمْ . فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ ، وَكَفَى بِهِ شَافِيا مِنَ الْبَاطِلِ ، وَنَاصِرا لِلْحَقِّ! وَمِنَ الْعَجَبِ بَعْثُهُمْ إِلَىَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ ! وَأَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلادِ ! هَبِلَتْهُمُ الْهَبُولُ ! لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ ، وَلاَ أُرْهَبُ بِالضَّرْبِ ! وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّي ، وَغَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِيني .
الشّرْحُ :
يروى : « ذَمَر » بالتخفيف ، و « ذمّر » بالتشديد ، وأصله الحضّ والحثّ ، والتشديد دليل على التكثير . واستجلب جَلَبه ، الجلَب بفتح اللام : ما يُجلب ، كما يقال : جَمَع جَمْعَه . ويروى : « جُلْبَه » و « جِلْبَه » ، وهما بمعنىً ، وهو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه ، أي جمع قوماً كالجهام الذي لا نفع فيه . وروي : « ليعودَ الجَوْر إلى قِطابه » ، والقِطاب : مِزاج الخمر بالماء ، أي ليعود الجوْر ممتزِجا بالعدل كما كان . ويجوز أن يعنِيَ بالقِطاب قِطااب الجيْب ، وهو مدخل الرأس فيه ، أي ليعودَ الجوْر إلى لباسه وثوبه . ورُوِيَ « الباطلَ » بالنصب ؛ على أن يكون « يرجع » متعدياً ، تقول : رجعت زيداً إلى كذا ؛ والمعنى : ويردّ الجورُ الباطل إلى أوطانه . والنَّصف : الذي يُنصِف . يرتضعون أُمّا قد فَطَمت ، يقول : يطلبون الشيء بعد فواته ؛ لأنّ الأُم إذا فَطَمت ولدها فقد انقضى إرضاعها . وقوله : « يا خيبة الداعي » ، هاهنا كالنداء في قوله تعالى : « يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ » [١] ، وقوله : « يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا » [٢] أي يا خيبة احضري ، فهذا أوانك! وكلامُه في هذه الخطبة مع أصحاب الجمل ؛ والداعي هو أحدُ الثلاثة : الرجلان والمرأة [٣] .
[١] سورة يس ٣٠ .[٢] سورة الأنعام ٣١ .[٣] أي طلحة والزبير وعائشة . أما طلحة فقد كان يحرّض على قتل عثمان ولا يخفي ميله إلى الثائرين ، وأمّا الزبير ، فقد كان هواه مع الثائرين على عثمان ، ولكنه لم يتظاهر ، وأما عائشة فكانت من أشد الناس إنكارا على عثمان ، حتى اشتهر عنها قولها : اقتلوا نعثلاً ، قتل اللّه نعثلاً ، أي عثمان . ثم لما قُتل عثمان انقلبوا يطالبون الأبرياء بدمه .