تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٧٦
والوجه الثاني : أنّ أكثر المتكَلِّمين ذهبوا إلى أن للإنسان الحيّ الفعّال أجزاء أصلية في هذه البنية المشاهدة ؛ وهي أقلّ ما يمكن أن تأتلف منه البنية التي معها يصحّ كون الحيّ حيّا ، وجعلوا الخطاب متوجّها نحوها ، والتكليف واردا عليها ، وما عداها من الأجزاء ؛ فهي فاضلة ليست داخلة في حقيقة الإنسان ؛ وإذا صحّ ذلك جاز أن ينتزع اللّه تلك الأجزاء الأصلية من أبدان الأنبياء والأوصياء ، فيرفعها إليه بعد أن يخلق لها من الأجزاء الفاضلة عنها نظير ما كان لها في الدار الأُولى . فإن قلت : فهل يجوز أن يُتأوّل كلامُه ، فيقال : لعلّه أراد بقاء الذِّكْر والصيت ؟ قلت : إنه لبعيدٌ ؛ لأنّ غيرَهم يَشْرَكُهم في ذلك ؛ ولأ نّه أخرج الكلام مخرَج المستغرب المستعظم له . فإن قلت : فهل يمكن أن يقال : إن الضَمير يعود إلى النبي صلى الله عليه و آله وسلم ؛ لأ نّه قد ذكره في قوله : « خاتم النبيين » فيكون التقدير : أ نّه يموت مَنْ مات منا والنبي صلى الله عليه و آله وسلم ليس بميت ، ويبلى مَنْ بَلي منا والنبي ليس ببال . قلت : هذا أبعدُ من الأول ؛ لأ نّه لو أراد ذلك لقال : إن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم لا تُبليه الأرض ، وإنه الآن حيّ . فإن قلت : فهل هذا الكلام منه أم قاله مرفوعا ؟ قلت : بل ذكَره مرفوعا ، ألا تراه قال : « خذوها عن خاتم النبيين » . ثم نعود إلى التفسير فنقول : إنّه لما قال لهم ذلك علم أنه قال قولاً عجيبا ؛ وذكر أمرا غريبا ، وعلم أنهم ينكِرون ذلك ويعجبون منه ، فقال لهم : فلا تقولوا ما لا تعرفون ؛ أي لا تكذِّبوا أخباري ؛ ولا تكذِّبوا إخبار رسول اللّه لكم بهذا فتقولون ما لا تعلمون صِحَّته ، ثم قال : فإن أكثر الحق في الأُمور العجيبة التي تنكرُونها كإحياء الموتى في القيامة ، وكالصراط والميزان والنار والجنة وسائر أحوال الآخرة . ثم قال : « واعذروا مَنْ لا حجة لكم عليه وهو أنا » ، يقول : قد عَدَلْتُ فيكم ، وأحسنت السيرة وأقمتكم على المحجّة البيضاء ، حتى لم يبق لأحد منكم حُجَّةٌ يحتجّ بها عليّ ، ثم شرح ذلك ، فقال : « عملت فيكم بالثَّقَل الأكبر » ، يعني الكتاب و « خَلَّفت فيكم الأصغر » يعني ولديْه ؛ لأنهما بقية الثَّقَل الأصغر ؛ فجاز أن يطلق عليهما بعد ذهاب مَنْ ذهب منه أنهما الثقل الأصغر ؛ وإنما سمّى النبي صلى الله عليه و آله وسلم الكتاب والعِتْرة ، الثقليْن ؛ لأنّ الثَّقَل في اللغة متاع المسافر وَحَشمُه ؛ فكأنه صلى الله عليه و آله وسلم لمّا شارف الانتقال إلى جوار