تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٣٤
الشّرْحُ :
همّام ، المذكور في هذه الخطبة هو همّام بن شُريح بن يَزِيد بن مرّة بن عمرو . وكان همّام هذا من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وأوليائه ، وكان ناسكا عابداً ، قال له : يا أميرَ المؤمنين ، صِفْ لي المتّقين حتى أصيرَ بوصفك إيّاهم ، كالنّاظر إليهم . فتثاقل عن جوابه ، أي أبطأ . « فعزم عليه » ، أي أقسم عليه ، وتقول لمن يكرّر عليكَ الطّلب والسّؤال : قد عزم عليّ ، أي أصرّ وقَطع ، وكذلك تقول في الأمر تُريد فعلَه وتَقْطَع عليه : عزمت عَزْما وعَزَمانا وعَزِيمة وعزيما . فإن قلت : كيف جَازَ له عليه السلام أن يتثاقَل عن جواب المسترشِد؟ قلت : يجوز أن يكون تَثَاقل عن جوابه ؛ لأ نّه علم أن المصلحة في تأخير الجواب . فإن قلت : فما معنى إجابته له أولاً بقوله : يا همّام ، اتّقِ اللّه وأحسِنْ فَـ « إنَّ اللّه َ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ » ؟ وأي جواب في هذا عن سؤال همام ؟ قلت : كأنّه لم ير في بادئ الحال شرح صفات المتّقين على التفصيل ، فقال لهمام : ماهيّة التقوى معلومة في الجملة ، فاتّق اللّه وأحسن ؛ فإنّ اللّه قد وَعَد في كتابه أن يكون وليّا وناصراً لأهل التقوى والإحسان [١] . فلما أبى همّام إلاّ الخوض فيما سأله على وجه التَّفْصيل ، قال له : إنّ اللّه تعالى خَلَق الخلق حين خلقهم ، ويروى : « حيث خلقهم » وهو غَنِيّ عن طاعتهم ؛ لأ نّه ليس بجسم فيستضرّ بأمر أو ينتفع به . وقَسَم بين الخلق معايشهم ، كما قال سبحانه : « نَحْنُ قَسَمنَا بَيْنهُمْ مَعِيشَتهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيَا » [٢] . وفي قوله : « وضعهم مواضعهم » معنى قوله : « وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضا سُخْرِيّاً » [٣] ، فكأنّه عليه السلام أخذ الألفاظ ، فألغاها وأتى بمعناها . فلما فرغ من هذه المقدّمة شَرَع في ذكر صفات المتقين ، فقال : إنّهم أهلُ الفضائل .
[١] قال ابن ميثم : تثاقله عليه السلام لخوفه على همّام ، كما يدل عليه قوله عليه السلام : « أما واللّه لقد كنت أخافها عليه » . وهذا هو الأصوب . وقوله عليه السلام : « يا همام ، اتق اللّه وأحسن » أي ليس عليك أن تعرف صفات المتقين على التفصيل ، ولعل الأصلح لك القناعة بما تعرفه مجملاً من صفاتهم ومراعاة التقوى والإحسان ، وكأن المراد بالتقوى الاجتناب عمّا نهى اللّه عنه ، وبالإحسان فعل ما أمر اللّه به ، فالكلمة جامعة لصفات المتقين وفضائلهم .[٢] . سورة الزخرف ٣٢ .