تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٦٧
والْعَشِيِّ » [١] ؛ يقال : « صبر فلان نفسه على كذا » ، أي حبَسها عليه . يتعدّى فينصب . والضمير في « فإنها قليل » عائد إلى الأيام التي أمرهم باستدراكها . يقول : إن هذه الأيام التي قد بقيَت من أعماركم قليلة ، بالنسبة والإضافة إلى الأيام التي تغفلون فيها عن الموعظة . وقوله : « فإنها قليل » فأخبر عن المؤنث بصيغة المذكر ، إنما معناه فإنها شيء قليلٌ بحذف الموصوف ؛ كقوله : « وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقا » [٢] أي قَبِيلاً رفيقا . ثم قال : « ولا تُرَخّصوا » ، نَهَى عن الأخذ برُخَص المذاهب ؛ وذلك لأ نّه لا يجوز للواحد من العامة أن يقلّد كلاًّ من أئمة الاجتهاد فيما خفَّ وسَهُل من الأحكام الشرعية . أو لا تُساهلوا أنفسكم في ترك تشديد المعصية ، ولا تسامحوها وترخّصوا إليها في ارتكاب الصغائر والمحقّرات من الذنوب ، فتهجُم بكم على الكبائر ؛ لأنّ من مَرَن على أمرٍ تدرّج من صغيره إلى كبيره . والمداهنة : النفاق والمصانعة ، والإدهان مثله ؛ قال تعالى : « وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ » [٣] . قوله : « إنّ أنصحَ الناس لنفسه أطوعُهم لربه » ؛ لأ نّه قد صانها عن العقاب ، وأوجب لها الثواب ؛ وذلك غاية ما يمكن من نصيحتها ونفعها . قوله : « وإن أغشّ الناس لنفسه أعصاهم لربه » ؛ لأ نّه ألقاها في الهلاك الدائم ، وذلك أقصى ما يمكن من غِشّها والإضرار بها. ثم قال : « والمغبونُ من غبَن نفسه » ، أي أحقّ الناس أن يسمَّى مغبونا مَنْ غَبَن نفسه ، يقال : غبنتُه في البيع غبْناً ، بالتسكين ، أي خدعتُه ، وقد غُبِن فهو مغبون ، وغبِن الرجل رأيه بالكسر غبَناً بالتحريك فهو غَبين ، أي ضعيف الرأي ، وفيه غَبَانة . ولفظ الغَبْن يدلّ على أنه من باب غَبْن البيع والشراء ؛ لأ نّه قال : « والمغبون » ولم يقل : « والغبين » . والمغبوط : الذييُتمنّى مثلُ حاله ، والذي يتمنى زوالَ حاله وانتقالها هو الحاسد ، والحسد مذموم ، والغبطة غير مذمومة . قوله : «والسعيد من وُعظ بغيره » مثَل من الأمثال النبوية . وقوله عليه السلام : « مَنْسَاة للإيمان » ، أي داعية إلى نسيان الإيمان وإهماله ، والإيمان الاعتقاد والعمل . ومحضرة للشيطان : موضع حضوره ، كقولك : مَسْبَعة ، أي موضع السباع . ومَفْعَاة ، أي موضع الأفاعي . ثم نهى عن الكذب وقال : « إنه مجانب للإيمان » وكذا ورد في الخبر
[١] سورة الكهف ٢٨ .[٢] سورة النساء ٦٩ .[٣] سورة القلم ٩ .