تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٤٤
الصِّبيان به ، وفَرْث الكرِش على رأسِه ، وفَتْل الثّوب في عنُقه ، وحَصْره وحَصْر أهله في شِعْب بني هاشم سنين عدّة محرّمة معاملتهم ومبايعتهم ومناكحتهم وكلامهم ، حتى كادوا يموتون جوعا ، ثم ضرْبهم أصحابه وتعذيبهم بالجوع والوَثاق في الشمس ، وطردهم إياهم عن شِعاب مكة ، حتى خرج مَنْ خرج منهم إلى الحبشة ، وخرج عليه السلام مستجيرا منهم تارة بثقيف ، وتارة ببني عامر ، وتارة بربيعة الفَرَس ، وبغيرهم . ثم أجمعوا على قتله والفتك به ليلاً ، حتى هرب منهم لائذا بالأوْس والخزرج ، تاركا أهله وأولاده ، وما حوتْه يده ، ناجيا بحُشاشة نفسه ، حتى وصل إلى المدينة ؛ فناصبوه الحرب ورموه بالمناسر والكتائب ، وضربوا إليه آباط الإبل ، ولم يزل منهم في عناء شديد ، وحروب متّصلة ، حتّى أكرمه اللّه تعالى ونَصَره ، وأيّد دينَه وأظهره . ومَنْ له أُنْسٌ بالتواريخ يعلم من تفاصيل هذه الأحوال ما يطول شرحه . سمّى النِّفاق نِفاقا من النّافقاء ، وهي بيت اليَرْبُوع ، له بابان يدخلُ من أحدهما ، ويخرج من الآخر ، وكذلك الّذي يُظهر دينا ويبطن غيره . والضالّون المضِلُّون : الذين يُضِلّون أنفسَهم ويُضِلّون غيرَهم ؛ وكذلك الزالّون المزِلّون ؛ زلّ فلان عن الأمر ، أي أخطأ ، وأزلّه غيرُه . قوله : « يفتنُّون » يتشعّبون فنوناً ، أي ضروباً . ويعمِدونكم ، أي يهدّونكم ويفدحونكم ؛ يقال : عمَده المرض يعمِده ، أي هدّه ، ومنه قولهم للعاشق : عميد القلب . قوله : « بعمادٍ » ، أي بأمر فادح وخطب مؤلم ، وأصل العَمْد انشداخُ سَنَام البعير ، وماضيه : عمِد السنام بالكسر ، عَمْداً فهو عَمِد . ويرصدونكم : يعدّون المكايد لكم ، أرصدت : أعددت . وقلب دوٍ ، بالتخفيف ، أي فاسد ، من داء أصابه ، وامرأة دويَة ؛ فإذا قلت : رجل دوَى ، بالفتح ، استوى فيه المذكر والمؤنث والجماعة ؛ لأ نّه مصدر في الأصل ، ومن روى : « دويّة » بالتشديد ، عَلَى بُعده ، فإنما شدده ليقابل « نقيّة » . والصِّفَاح : جمع صَفْحة الوجه وهي ظاهره ، يقول : باطنهم عليل ، وظاهرهم صحيح . يمشون الخَفاء ، أي في الخفاء ، ثم حذف الجار فنصب ، وكذلك يدبّون الضّرّاء ، والضَّرَاء : شجر الوادي الملتفّ ، وهذا مثل يضربُ لمن يختلُ صاحبه ، يقال : هو يدبّ له الضرَاء ويمشي له الخَمر ، وهو جَرْف الوادي . ثم قال : « وصفهم داء ، وقولهم شفاء ، وفعلهم الدّاء العَياء » ، أي أقوالهم أقوال الزاهدين العابدين ، وأفعالهم أفعال الفاسقين الفاجرين . والدّاء العَياء : الذي يُعيي الأُساءة . ثم قال : « حَسَدة الرخاء » يحسُدون عَلَى النعم . « ومؤكّدو البلاء » ، إذا وقع واحد من الناس في بلاء