تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٣٤
.ومن كلام له عليه السلام قاله لبعض أصحابه لما عزم ـ من طريق علم النجوم ـ فقال عليه السلام : أَتَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ ؟ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ ؟ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهـذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ ، وَاسْتَغْنى عَنِ الاْسْتِعَانَةِ بِاللّه ِ فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ ؛ وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ ، لِأَنَّكَ ـ بِزَعْمِكَ ـ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ ، وَأَمِنَ الضُّرَّ !! ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ النُّجُومِ ، إِلاَّ مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَـرٍّ أَوْ بَحْرٍ ، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ ، وَالْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ ، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ ! وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ ! سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللّه ِ .
الشّرْحُ :
حاق به الضرّ ، أي أحاط به ؛ قال تعالى : « وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّءُ إلاَّ بِأَهْلِهِ » [١] . ويوليك الحمد ، مضارع « أولاك » ؛ وأولاك معدّىً بالهمزة من « وَليَ » ، يقال : وليَ الشيء ولايةً وأوليته ذلك ؛ أي جعلته واليا ومتسلّطا عليه . والكاهن : واحد الكُهّان وهم الذين كانوا يخبرون عن الشياطين بكثير من الغائبات . إلاّ أن المعلومَ ضرورة من دين رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمإبطال حكم النجوم وتحريم الاعتقاد بها والنهي والزجر عن تصديق المنجّمين ، وهذا معنى قول أمير المؤمنين في هذا الفصل : « فمن صدقك بهذا فقد كذّب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة باللّه » . ثم أردف ذلك وأكّده بقوله : كان يجب أن يحمَد المنجم دون الباري تعالى ؛ لأنّ المنجم هو الذي هدى الإنسان إلى الساعة التي ينجح فيها ، وصدَّه عن الساعة التي يخفق ويُكْدِي فيها فهو المحسن إليه إذا ، والمحسن يستحقّ الحمد والشكر ، وليس للبارئ سبحانه إلى الإنسان في هذا الإحسان المخصوص ؛ فوجب ألاَّ يستحقّ الحمد على ظَفَر الإنسان بطلبه ؛ لكنّ القول بذلك والتزامه كفر محْضٌ .
[١] سورة فاطر ٤٣.