تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٨٢
. حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ؛ لاَ يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَلاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ ، وَصَامِتٌ نَاطِقٌ .
الشّرْحُ :
من استنصح اللّه : من أطاع أوامره وعلم أ نّه يهديه إلى مصالحه ، ويردّه عن مفاسده ويرشده إلى مافيه نجاته ، ويصرفه عمّا فيه عَطَبُه . والتي هي أقوم : يعني الحالة والخَلّة التي اتّباعها أقوم ؛ وهذا من الألفاظ القرآنية ، قال سبحانه : « إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أقْوَمُ» [١] . والمراد بتلك الحالة المعرفة باللّه وتوحيده ووعدٍ له . ثم نهى عليه السلام عن التكبّر والتعظّم وقال : إن رفعةَ القَومِ الذِينَ يعرفون عظمة اللّه أن يتواضَعُوا له . وما هاهنا ، بمعنى أيّ شيء ، ومن روى بالنصب جعلها زائدة . وقد ورد في ذم التعظّم والتكبّر ما يطول استقصاؤه ؛ وهو مذموم على العباد ، فكيف بمنْ يتعظّم على الخالق سبحانه وإنه لمن الهالكين! قوله : « واعلَمُوا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتى تعرفوا الذي تَرَكه » ، فيه تنبيه على أنه يجب البراءة من أهل الضلال . ثم قال عليه السلام : « فالتمسوا ذلك عند أهله » ، هذا كناية عنه عليه السلام ؛ وكثيرا ما يسلك هذا المسلك ، ويعرِّض هذا التعريض ؛ وهو الصادق الأمين العارف بالأسرار الإلهية . ثم ذكر أنّ هؤلاء الذين أمَرَ باتّباعهم ينبئ حكمهم عن علمهم ، وذلك لأنّ الامتحان يظهر خبيئة الإنسان . ثم قال : « وصمتهم عن نطقهم » ، صمت العارف أبلغُ من نطق غيره ؛ ولا يخفى فضل الفاضل وإن كان صامتاً . ثم ذكر أنّهم لا يخالفون الدّين ؛ لأنهم قُوّامه وأربابه ، ولا يختلفون فيه ؛ لأنّ الحقّ في التوحيد والعدل واحد ، فالدين بينهم شاهد صادق يأخذون بحكمه ؛ كما يؤخذ بحكم الشاهد الصادق . وصامت ناطق ؛ لأ نّه لا ينطق بنفسه بل لابدّ له من مترجم ؛ فهو صامت في الصورة ، وهو في المعنى أنطق الناطقين ؛ لأنّ الأوامر والنواهي والآداب كلَّها مبنيّة عليه ، ومتفرّعة عليه .
[١] سورة الإسراء ٩ .