تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٢٨
وكذلك قوله « وتَتكلّمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم » ، يعنى كلمةَ التوحيد « لا إله إلاّ اللّه » ، قد قالها الموحّدون من قبل هذه الملّة ، لا تقليدا ، بل بالنَّظر والدليل ، فقولوها أنتم كذلك . ثم ذكر أ نّه سبحانه قد كفى الخلق مؤونة دنياهم . قوله : « وافترض من ألسنتكم الذِّكْر » ، افترض عليكم أنْ تذكُروه وتشكروه بألسنتكم ، و « من » متعلَّقه بمحذوف دلّ عليه المصدر المتأخّر ؛ تقديره : « وافترض علكيم الذِّكْر من ألسنتكم الذكر » . ثم ذكر أنّ التقوى المفترَضة هي رضَا اللّه وحاجته من خَلْقه ، لفظة « حاجته » مجاز ؛ لأنّ اللّه تعالى غنيٌّ غير محتاج ؛ ولكنه لما بالغ في الحثّ والحضّ عليها ، وتوعّد على تركها جعله كالمحتاج إلى الشيء ، ووجْهُ المشاركة أنَّ المحتاج يحثّ ويحضّ على حاجته ، وكذلك الآمر المكلّف إذا أكّد الأمر . قوله : « أنتم بعينه » ، أي يعلم أحوالكم ، ونواصيكم بيده ؛ الناصيَة : مقدّم شعر الرأس ، أي هو قادر عليكم قاهرٌ لكم ، متمكّن من التصرّف فيكم ، كالإنسان القابض على ناصية غيره . وتقلّبكم في قبضته ، أي تصرّفكم تحت حكمه ، لو شاءَ أن يمنعَكم منعكم ؛ فهو كالشيء في قَبْضَة الإنسان ؛ إن شاء استدام القبض عليه ، وإنْ شاء ترَكه . ثم قال : إن أسررتُم أمرا علمه ، وأن أظهرتموه كَتَبَه ، ليس على أنّ الكِتَابة غيرُ العلم ، بل هما شيء واحد ؛ ولكنّ اللفظ مختَلِف . ثم ذكر أنّ الملائكة موكّلَة بالمكلّف ؛ وهذا هو نصّ الكتاب العزيز ؛ وقد تقدّم القول في ذلك . ثم انتقل إلى ذكْر الجنَّة ؛ والكلام يدلّ على أنّها في السماء ، وأنّ العرش فوقها . ومعنى قوله : « اصطنعها لنفسه » إعظامُها وإجلالُها ، كما قال لموسى : « وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسي» [١] ؛ ولأ نّه لما تعارفَ النّاس في تعظيم ما يصنعونه ، أن يقولَ الواحدُ منهم لصاحبه : قد وهبتك هذه الدّار التي اصطنعتُها لنفسي ، أي أحكمتها . قوله : « ونورها بهجتهُ » ، هذا أيضا مستعار ، كأنّه لما كان إشراقُ نورها عظيماً جدّا نسبه إلى بهجة البارئ ، وليس هناك بهجة على الحقيقة ؛ لأنّ البهجة حسن الخلقة ؛ قال تعالى : «وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » [٢] ، أي من كلّ صنف حسن . قوله : « وَزُوَّارُها ملائكتُه » قد ورد في هذا من الأخبار كثير جدّا ، ورفقاؤها :
[١] سورة طه ٤١ .[٢] سورة ق ٧ .