تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٠٦
الشّرْحُ :
قضى وقدّر في هذا الموضع واحد . ويروى : « على ما ابتلاني » . وأُهمِلْتُم : خَلّيتم وترِكتم ، ويروى : « أمْهلتم » ، أي أخّرتم . وخرتم : ضعفتم ، والخَوَرُ : الضّعف ؛ رجل خَوّار ، ورمح خوّار ، وأرض خوّارة ، والجمع خُور . ويجوز أن يكون « خرتم » ، أي صحتم ، كما يخور الثَّوْر ، ومنه قوله تعالى : « عجِلاً جَسَدا لَهُ خُوَارٌ » [١] . ويروى : «جُرْتُم » أي عدلتم عن الحرب فرارا . وأُجِئْتُم : أُلجِئتُم ، قال تعالى : « فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ » [٢] . والمشاقّة : المقاطعة والمصارمة . ونكصتم : أحجمتُم ، قال تعالى : « فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ » [٣] ، أي رجع محجِما ، أي دعيتم إلى كشف القناع مع العدو وجبنتم وهبتموه . قوله : « الموت أو الذلّ لكم » ، دعاء عليهم بأنْ يصيبَهم أحد الأمرين ، كأنه شرعَ داعيا عليهم بالفناء الكلّي ؛ وهو الموت ؛ ثم استدرك فقال : « أو الذلّ » ؛ لأ نّه نظير الموت في المعنى ؛ ولكنّه في الصورة دونه ؛ ولقد أُجِيب دعاؤه عليه السلام بالدّعوة الثانية ؛ فإنّ شيعته ذَلُّوا بعدُ في الأيّام الأُمويّة ؛ حتى كانوا كفَقْع قَرْقر [٤] . أولاً ـ الخطبة في ذم العصاة ممن كان معه ، وحتى لا يصح تسميتهم بأصحابه . فالعصيان مضاد للصحبة . ثانياً ـ على فرض هم أصحابه فإن الخوارج المارقين من الدين كانوا في جملة أصحابه عليه السلام فهؤلاء لا يُسمّون شيعة البتة . وهل يعتبرهم الشارح شيعته ، باعتبارهم كانوا من أصحابه في يوم ما ؟! إن هذا لظلم عظيم . ثالثاً ـ معلوم بالبداهة أن الجيش الذي كان يقاتل معه فيهم الشيعة المطيعون ، والأصحاب المخلصون ، ومن جاء من أفناء الناس طمعاً في الحصول على مغنم ، والبعض لهم ثارات يطلبونها ينتهزون الفرصة للانتقام من واتريهم فينتقمون منهم في أي صف كانوا .
[١] سورة طه ٨٨ .[٢] سورة مريم ٢٣ .[٣] الصواب : « فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ...» سورة الأنفال : ٤٨ . وأمّا «تَرَاءى الْجَمْعَانِ» ، فهي جزء من آية ٦١ من سورة الشعراء .[٤] الفقع : ضرب من أردأ الكمأة ، والقرقر : المكان المستوي الأملس ؛ ويشبه به الرجل الذليل ؛ فيقال : هو أذل من فقع بقرقر ؛ لأنّ الدواب تنجله بأرجلها .