تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٤٤
ومن يكون إسلامه هكذا لا يكون قد قصد بإسلامه إلاّ وجه اللّه تعالى والقربة إليه . فمن تكون هذه حاله في مبدأ أمره ، كيف يخطر ببال عاقل أ نّه يطلب الدنيا وحطامها ، ويجرّد عليها السيف في آخر عمره . والوجه الثاني : أ نّه إذا كان أوّلَ السابقين ، وجب أن يكون أقربَ المقرّبين ؛ لأ نّه تعالى قال : « والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ » [١] ، وإذا كان عليه السلام أقربَ المقرّبين ، وجب أن تنتفيَ عنه الموانع الستة ، التي جعل كلّ واحد منها صادّا عن الإمامة ، وقاطعا عن استحقاقها ؛ وهي البخل والجهل والجفاء ، أي الغِلْظة ، والعصبية في دولته ، أي تقديم قوم على قوم ، والارتشاء في الحكْم ، والتعطيل للسنّة ، وإذا انتفتْ عنه هذه الموانع الستّة تعيّن أن يكون هو الإمام ؛ لأنّ شروط الإمامة موجودة فيه بالاتفاق ، فإذا كانت موانعُها عنه منتفيةً ولم يحصل لغيره اجتماع الشروط ، وارتفاع الموانع ، وجب أن يكون هو الإمام ؛ لأ نّه لا يجوز خُلوّ العصر من إمامٍ سواء كانت هذه القضيّة عقليّة أو سمعيّة . فإن قلت : أفتراه عَنَى بهذا قوما بأعيانهم؟ قلت : الإمامية تزعُم أنه رَمَز في الجفاء والعصبية لقوم دون قوم إلى عمر ، ورمز بالجهل إلى مَنْ كان قبله ؛ ورمز بتعطيل السنّة إلى عثمان ومعاوية [٢] . والنَّهْمة : الهمّة الشديدة بالأمر ، قد نُهم بكذا بالضم ، فهو منهوم أي مولَع به حريص عليه ، يقول : إذا كان الإمام بخيلاً كان حرصُه وجَشَعُه على أموال رعيَّته ، ومن رواها « نَهَمَته » ، بالتحريك فهي إفراط الشهوة في الطعام ، والماضي نَهِم ، بالكسر . قوله عليه السلام : « فيقطعهم بجفائه » ، أي يقطعهم عن حاجاتهم لغلظته عليهم ؛ لأنّ الواليَ إذا كان غليظا جافياً أتعب الرعيّة وقطعهم عن مراجعته في حاجاتهم خوفا من بادرته ، ومعرّته . قوله : « ولا الحائف للدول » ، أي الظالم لها ، والجائر عليها . والدّول : جمع دُولة بالضمّ وهي اسم المال المتداول به ، يقال : هذا الفيء دُولة بينهم ، أي يتداولونه ، والمعنى أ نّه يجب أن يكونَ الإمام يقسم بالسويّة ، ولا يخصّ قوما دون قوم على وجه العصبيّة لقبيلة دون قبيلة ، أو لإنسان من المسلمين دون غيره ، فيتّخذ بذلك بطانة . قوله : « فيقف بها دون
[١] سورة الواقعة ١٠ .[٢] انظر : بحار الأنوار ، للمجلسي ٨ : ٦٤٠ ط تبريز . وشرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار ٢ : ٢٨ .