تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٩
استعان كل واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا ، وتقدّم وتأخروا ؛ لأنّ كلامه الذي عليه مَسْحة من العلم الإلهي وفيه عبقة من الكلام النبوي ... فهو البحر الذي لا يُساجل والجمّ الذي لا يحافل » [١] . يقول ابن أبي الحديد [٢] : « اجتمع للإمام عليّ بن أبي طالب من صفات الكمال ، ومحمود الشمائل والخِلال وسناء الحسب وباذخ الشرف ، مع الفطرة النقية ، والنفس المرضيّة ، ما لم يتهيأ لغيره من أفذاذ الرجال ... كل هذه المزايا مجتمعة ، وتلك الصفات متآزرة متناصرة ، وما صاحَبها من نَفْح إلهي ، وإلهام قُدسي ، مكَّنت الإمام علي عليه السلام من وجوه البيان ، وملَّكته أعنّة الكلام ، وألهمته أسمى المعاني وأكرمها ، وهيّأت له أشرف المواقف وأعزّها ، فجرتْ على لسانه الخُطب الرائعة والرسائل الجامعة ، والوصايا النافعة ، والكلمة يرسلها عفو الخاطر فتغدو حِكمة ، والحديث يلقيه بلا تعمّل ولا إعنات فيصبح مثلاً ؛ في أداء محكم ، ومعنى واضح ولفظ عذب سائغ ؛ وإذا هذا الكلام يملأ السهل والجبل ، ينتقل في البدو والحضر ، يرويه على كثرته الرواة ، ويحفظه العلماء والدارسون ... وحسبك أنّه لم يدوّن لأحد من فصحاء الصحابة العُشر ولا نصف العُشر مما دوّن له » . وقال السيد المرتضى : « كان الحسن البصري بارع الفصاحة بليغ المواعظ ، كثير العلم ، وجميع كلامه في الوعظ ، وذم الدنيا ... وجلّه مأخوذ لفظاً أو معنى ، أو معنى دون لفظ من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فهو القدوة والغاية » [٣] . ويقول البيهقي ، وهو من أوائل شرّاح النهج : « ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان باب مدينة العلوم فما نقول في سقط [الشرر] انفضّ من زند خاطره الواري ، وغيض بدا من فيض نهره الجاري ؛ لابل في شعلة من سراجه الوهّاج ، وغرفة من بحره الموّاج وقطرة من سحاب علمه الغزير ، ولا ينبؤك مثل خبير » [٤] . وذهب الشيخ محمّد عبده ـ إلى نحو ذلك في مقدّمة شرحه للنهج الذي عوّل فيه على
[١] نهج البلاغة ، الشريف الرضي ، المقدمة .[٢] شرح ابن أبي الحديد ، تحقيق محمد أبو الفضل ١/٥ .[٣] أمالي المرتضى .[٤] معارج نهج البلاغة ، علي بن زيد البيهقي ، ص٩٧ .