تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٦٨
الشّرْحُ :
أمرهم عليه السلام أن يتأسّى الصغير منهم بالكبير في أخلاقه وآدابه ؛ فإنّ الكبير لكثرة التّجربة أحزم وأكيس ، وأن يرأف الكبير بالصغير . والرأفة : الرحمة ؛ لأنّ الصغير مظنّة الضعف والرقة . ثم نهاهم عن خُلُق الجاهليّة في الجفاء والقسوة ، وقال : إنهم لا يتفقَّهون في دين ولا يعقلون عن اللّه ما يأمرهم به ؛ وهذا من قوله اللّه سبحانه : « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ » [١] . وروي : « تتفقهون » بتاء الخطاب . ثم شبّههم ببيضِ الأفاعي في الأعشاش ، يظنّ بيض القطا فلا يحلّ لمن رآه أن يكسِره ؛ لأ نّه يظنّه بيض القطا ، وحضانه يُخرج شرّا ؛ لأ نّه يفقصُ عن أفعى . واستعار لفظة « الأداحي » للأعشاش مجازاً ؛ لأنّ الأداحي لا تكون إلاّ للنعام تدحوها بأرجلها وتبيض فيها ، ودَحْوها : توسيعها ، من دَحَوْت الأرض . والقَيْض : الكسر والفلق ، قِضْتُ القارورة والبيضة ، وانقاضت هي ، وانقاض الجدار انقياضاً ، أي تصدّع من غير أن يسقط ؛ فإن سقط قيل : تقيّض تقيُّضاً ، وتقوّض تقوضاً وقَوّضته أنا . وتقول للبيضة إذا تكسّرت فِلَقاً : تقيّضت تقيّضا ، فإنْ تصدّعت ولم تنفلق ، قلت : انقاضت ، فهي منقاضة ، والقارورة مثله .
الأصْلُ :
.منها : افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ ، وَتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ . فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَما مالَ مالَ مَعَهُ . عَلَى أَنَّ اللّه َ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ ، كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ يُؤلِّفُ اللّه ُ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ؛ ثُمَّ يَفْتَحُ اللّهُ لَهُمْ أبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ ، حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَّةٌ ، وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ ، وَلَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ ، وَلاَ حِدَابُ أَرْض . يُذعْذِعُهُمُ اللّه ُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ ، ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ، يَأَخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ ، وَيُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ . وَأيْمُ
[١] سورة البقرة ١٧١ .